TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > البرج العاجي: دون كيشوته العربي

البرج العاجي: دون كيشوته العربي

نشر في: 16 يوليو, 2018: 12:26 م

 فوزي كريم

(1 - 2)

    "دون كيشوته" لم يكن شخصاً محتالاً أو رديئاً. مشكلتُه أنه شغل نفسه ووقته بقراءة الكتب، وهو شاغل رائع، دون أن يوفر رابطاً بين قراءته وبين حياته الواقعية، كذات وكمحيط موصول بالزمان والمكان. أي أنه لم يوفر حداً أدنى من التوازن بين ذاكرته على الأرض وبين مخيلته في الفضاء. كان يعيش في "لامنشا" في الريف الاسباني، غارقاً في كتبه عن الفروسية والفرسان، وكنتيجة لهذا الغرق فقد توازنه العقلي فغلب خياله على ذاكرته. ركب فرساً عجوزاً، وتسلح بخردوات توهّمها أسلحةَ فرسان، وهام في البراري كمنقذ. وحكايات معاركه الوهمية التالية صارت على كل لسان.

    المقاربةُ بين "دون كيشوته" هذا وبين الكثير منا كمثقفي أفكار ومثقفي أدب، منذ خمسينيات القرن العشرين حتى اليوم، تبدو، على ما فيها من حقيقة، على قدر من المبالغة، حتى لتبدو محرجة. ما يخفف من الحرج أنها مقاربة تقتصر على مرحلة، ولا تتسع لما سبقها. لأن الذين سبقوها ولدوا ونشأوا في حياة سياسية، اجتماعية وثقافية متعافية نسبياً. مرحلة تواصلت فيها نهضة مطلع القرن العشرين بصورة من الصور، في عدد من البلدان العربية. وكانت أبرز مزايا هذه العافية هي العلاقة الصحية مع ثقافة الغرب المتفوق. كانت أجيال مرحلة النهضة تتطلع، من أرض واقعها التي تعرفه ولا تتحرّج من تخلفه، إلى الغرب لتتعلم وتتقدم. وإذا ما احتاجت إلى ما يشدُّ عزيمتها للمواصلة فلديها تراثها العربي الاسلامي. لم تكن تشعر بالعيب فتسعى بسببه إلى ادعاء "الندّية"، بفعل ارتكاس سايكولوجي، مع الغرب. هذا الشعور بالعيب كان أحد ثمار مرحلة الثورات الانقلابية (وكانت شاملة التأثير) التي شدّت عروقنا إلى الكرامة الإيهامية، وإلى التعالي، بل التفوق، الإيهاميين على الغرب. (راجع الشواهد في فصل "مرايا حداثة الستينيين 2" من كتابي "ثياب الامبراطور"، دار المتوسط)

    من أنقاض ثقافتها هذه خرج المسكين "دون كيشوته" العربي، دون حاجةٍ لفرس هزيل وعدة محارب مضحكة. ودون حاجة لكتب مركونة في الرفوف. خرج في عصر يسّر الغربُ فيه كل ما يحلم به "دون كيشوته" من كتب، ووسائل نقل، وتواصل اجتماعي لملاحقته ومُحاكاته. كما أن مرحلة "الثورات الانقلابية" قد أنجبت ما يكفي من دكتاتوريات، وحروب أهلية، وتيارات دينية متطرفة، كفيلة بدفع الملايين كلاجئين إلى الغرب. وبقدر ما تعالى الغرب قامةً، وصار حاضنة، بقدر ما تعالت الكرامة الإيهامة وتجذر انفصام الشخصية لدى "دون كيشوته" العربي البائس. فصارت "ندّيتُه" الإيهاميةُ السابقة مع الغرب "تفوقاً" إيهامياً على الغرب. وامتلأ الشارع العربي، على مدى عقود، بالكتب الفكرية والنقدية، التي لا تحاور كتّاباً عرباً، بل كتاباً منتخبين من الغرب، يمثلون، وهذا شرط ضروري، آخر نظريات الفكر النقدي الغربي عرفتها باريس وأمريكا من بعد. على أن تتوفر هذه الكتب على ميزتين عجيبتين: أن تستعصي على القراءة، وأن يكون هذا الاستعصاء بدوره إغواءً لاقتنائها وتزيين المكتبة بها. لأن العرف الذي تبنته هذه الكتب وكتابها أن "المعنى" قيمة متدنية. (شاعر كبير يعيب على الكتابة العربية في القرن العشرين أنها "نوع من الغرق في "طين" المعنى. باسم الموضوعية، أو المنطق والعلم.")

    "دون كيشوت" العربي معاصر، لا يُحوجه الوهم إلى قطيع أغنام، ولا إلى طاحونة هواء. فهذه وغيرها تنتمي إلى الذاكرة، ابنة المكان والزمان، وقد طلقها هو بيسر. وهمُه ملء الخيال، الذي يستوعب كل ما يطمع به من فكر مجرد، قادر على خلق لغة عربية مجردة، لا تماس لها مع واقعها، داخل جسد كاتبها، أو في الحياة المحيطة. يكفي أنها تحكي عما لا يخطر ببال أحد، وتقترح حلولاً للفكر الذي لا وجود له، وتتماهى مع الالتباس اللغوي كي لا تبين. " تقبض على الخيال معجوناً في وردة تتفتح بين يديك، أو ترى إلى الكلمات كيف تنسكب نبعا، أو تتعالى شجراً.." كما يعاود الشاعر الكبير.

    إحدى دور النشر وضعتْ من صورة "دون كيشوت" لها شعاراً، كتبت تحته: لنحارب معاً طواحين الهواء. هل هي دعابة سوداء، واعية أو غير واعية؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram