TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > بعبارة أخرى: وما زال البحث جارياً!!

بعبارة أخرى: وما زال البحث جارياً!!

نشر في: 11 سبتمبر, 2018: 11:46 ص

 علي رياح

في إحدى محطات السفر الطويل على ضفاف الخليج ، استوقفني رجل في الستين من عمره ، ولكن نظرات عينيه كانت توحي بثبات الذاكرة ورسوخها .. ولم يكن في حاجة إلى سؤالي عن هويتي ، فقد كان وفدنا يحمل اسم العراق على الصدور .. ولم نكن في حاجة هو وأنا إلى وقت طويل لرفع الكلفة والمباشرة في أي كلام يدور حول العراق .. لكن سؤاله كان مباغتاً لي : هل يمكن أن تتفضل وتصف لي حال ملعب الشعب الدولي في بغداد؟
ولأن السؤال كان مباغتاً كما قلت ، فقد كان لزاماً عليَّ أن أراجع اللهجة أو اللكنة التي طرح فيها (الشقيق) الخليجي سؤاله .. هل يريد أن يسخر من بقايا هذا الملعب وما فعل به الزمن أم أن لديه فكرة أخرى يريد أن يطرحها بعد أن استوعب أنا السؤال وأرد عليه؟!
لاحظ الرجل حيرتي بالفعل .. ففي داخلي كنت أخوض نزاعاً بين أن يسخر أحد من أي رمز عراقي مهما عبثت به المقادير وبين أن استجيب للعبة السؤال وأردّ بصدق كامل .. وانتشلني الرجل من حيرتي هذه وقال : تأخرتَ في الإجابة ، ولكن دعني أقصّ عليك حكايتي ، وبعدها ستجد أن سؤالي منطقي وهو سؤال المحب المشتاق لمكان عزيز ..
ومضى الشقيق يسرد ما يتبقى في الذاكرة : قبل تسع وثلاثين سنة تزيد أو تنقص قليلاً ، كنت أحد أعضاء منتخب بلادي بألعاب القوى وهو يشارك في سباقات تقام في بغداد ، وقد أخذونا من الفندق إلى الملعب ، وهالنا ما رأينا هناك .. إنه ملعب كبير وجميل .. أقصد ملعب الشعب .. وكانت الفعالية التي اشتركت فيها (1500) متر .. وبالنظر للتقدم العراقي الواضح في ذلك الوقت بألعاب القوى بالمقارنة مع المستويات الخليجية الأخرى ، فقد كان همّنا أن نتعلم لا أن نفوز .. وعلى سبيل المثال .. كنت متأخراً جداً في السباق وقد تمكن عداءان عراقيان من التفوق عليَّ بمقدار نصف لفة حول المضمار ، ولم يكن همي إلا إكمال السباق ، أما المدرب فكان يطالبني بالانسحاب منعاً للخزي والعار ، وكنت أرفض .. وكان يهدّد بالويل إذا لم أنسحب ، وكنت أرفض وأقول ( والله ما انسحب .. هو في أحد يحلم يركض في ملعب الشعب؟ .. اليوم تحقق حلمي وما انسحب واللي تريد تسويّه سويّه ) ، فما كان من المدرب إلا أن ترك مكانه وقرّر سحبي من الفانيلة وهو يعتذر للمنظمين عن سلوكه هذا!!
انتهت القصة التي رواها عداء خليجي قديم ، ورد فعلي المباشر على حكايته ، الاعتذار منه لسوء ظني به في المرة الأولى .. فقد تصوّرت أنه يريد أن يسخر من أحوال العراق وملاعبه أو أنه أراد أن يفاخر بالملاعب الفخمة التي بناها أهل الخليج في السنوات الثلاثين الأخيرة!
اعتذرت منه وشكرته على سؤاله ، وقلت له : منذ عقود ونحن العراقيين نتطلع دوماً إلى الأمام في الرياضة ، ولكن لا أحد قد عثر على هذا ( الأمام )!
لقد جاءت الدنيا بأسرها من خلفنا ومن يميننا ومن يسارنا واجتازتنا وألقتْ علينا نظرات حسرة أو استخفاف أو تعجّب ، ونحن مازلنا نبحث عن مكاننا في الأمام .. هل وصلتك الفكرة يا صديقي؟!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

 علي حسين أصعب ما يحدث لكاتب العمود اليومي ، أن يتحدث في موضوع يتعلق بأرزاق الناس وطموحاتهم وأحلامهم ومستقبلهم ، والأسوأ أن يحاول ملء هذه الزاوية المتواضعة بأخبار نواب الصفقات ومنظري الفشل والخراب...
علي حسين

القيمة القانونية للتوقيع ومشروعية تغييره

د. اسامة شهاب حمد الجعفري تتداخل الرموز في حياة الانسان لتعطي معاني لقيمه الاخلاقية, رغيف الخبز يعد رمزاً للكرامة الانسانية, وتعد قطعة القماش رمزاً للوطن, والورقة رمزاً للالتزام القانوني, ولا يشذ التوقيع عن هذه...
د. اسامة شهاب حمد الجعفري

ايران في دوامة الاضطرابات

مارمار كبير ترجمة : فؤاد الصفار تشهد ايران منذ الثامن من يناير/كانون الثاني، واحدة من أعنف موجات الاضطراب في تاريخها الحديث، في ظل حملة قمع غير مسبوقة تعكس مازق السلطة وإدراكها أن بقاءها بات...
مارمار كبير

هكذا أرى المستقبل

أحمد عبد المعطي حجازي نحن والعالم كله نسأل عن المستقبل. فالعالم يتغير ويتحول، لا كل عصر فقط، بل كل يوم، رأينا أو لم نر. لكن الذي نعيشه يشغلنا أكثر، لأنه الواقع الماثل الذي نفتح...
أحمد عبد المعطي حجازي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram