علي رياح
كنت حريصاً على التماس أية فرصة سانحة ، للذهاب إلى حي (البوكا) الذي يسكنه فقراء بوينس آيرس وفيه يشمخ ملعب (لا بومبونيرا) التابع لنادي بوكا جونيورز منذ ثماني وسبعين سنة .. سألت آلن ميتري وهو صحفي أرجنتيني من أصول لبنانية، إذ ينتمي جده إلى عائلة معلوف الشهيرة التي كانت من أوائل العوائل العربية التي هاجرت إلى أمريكا الجنوبية .. سألته عن السبيل المناسب للذهاب إلى هناك..
وكان ردّه : الأمر يسير ، ولكن يمكنك أن تجعله أكثر خطورة على حياتك!
لم أفهم المغزى الذي أراده ميتري ، فقلت مستوضحاً: إنها لمفارقة حقاً أن يكون يسيراً أو يكون مجازفة!
قال: إذا ذهبت بعد السابعة مساء بسيارة الأجرة، فعليك أن تحذر .. هذه واحدة من أخطر المناطق في الأرجنتين، عامرة بكل صنف من الجريمة والمجرمين ، ولا أعتقد أنك ستلقى معاملة استثنائية ودية إذا علموا أنك أجنبي.. فما لك غير الذهاب في رابعة النهار بالقطار القديم. أقطع تذكرة من وسط العاصمة وأذهب ، وستكتشف أن محطة الوقوف ستكون على بعد أمتار فقط من المدخل الرئيس للنادي.. هذه نصيحتي، فلا تقلـّب الأمر في ذهنك، بل أتخذ القطار وسيلة!
صعدت على متن القطار الذي كان يتهادى ببطء شديد وقد أصابه كثير الوهن .. وفي المحطة الثانية كنا عند باب النادي ، وأنا أعني هذه العبارة تماماً ، فسكة الحديد لا تبعد عن الملعب سوى ثلاثة أمتار، وحين يمرّ القطار تهتزّ المدرجات بفعل دويّ عرباته، لا بفعل هدف تهتز له الشباك والمشاعر!
قبل التوقف، كان الهرج والمرج يسودان القطار، الكل من مشجعي البوكا يردد بشراسة (توقف يا ... توقف حالاً .. سننزل هنا) ، وعند المدخل هنالك متجر يبيع التجهيزات الرياضية ، وفي بوابته تمثالان ظريفان للنجمين مارادونا وباليرمو وهما من أبرز مشاهير البوكا .. قلت لنفسي لأدخل وأشتري قميصاً أوصاني به أحد أصدقاء الفيسبوك .. وحين سألت عن قميص المنتخب الأرجنتيني بالرقم (10) قال لي البائع : أهاااااا .. مارادونا؟!
قلت : لا .. ليونيل ميسي!
ردّ كأنه يصوب لسانه نحوي: لا نبيع قمصان ميسي .. إذا شئت فاذهب إلى روزاريو!
وروزاريو هي المدينة التي ولد فيها ميسي وقيل وقتها إنه يصلح لأي شيء إلا لكرة القدم ، فأثبت خطأ الجميع!
خرجت من المتجر ذاهلاً من فرط هذا النمط من التعصّب، وذهبت إلى النادي قبل أن يسدل المساء ستاره وتبدأ سلسلة المخاطر، وكان هدفي تماماً أن أسأل عن (غرفة مارادونا) .. وبعدالتي واللتيا ، فتحوا لي هذه الغرفة ولم أجد فيها غير مجموعة من الكراسي وطاولة ومزهرية تنوء بحمل ورود حلّ بها الذبول منذ زمن بعيد، ويقال إن ماردونا لم يدخلها منذ سنوات!
أما لماذا هذه الغرفة بالذات، فذلك لأن نادي بوكا جونيورز وفي إلتفاتة تاريخية لتكريم نجمه الفذ عبر التاريخ، قد خصّص غرفة يتابع منها مارادونا المباريات التي تقام في هذا الملعب، وهي مسجّلة باسمه حتى بعد رحيله، لا يجلس فيها زائر مهم أو ضيف رفيع.. ومن قراءاتي، أن الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم طلب ذات يوم أن يتابع إحدى المباريات من داخل الغرفة لاكتشاف المعاني والأجواء التي تكمن فيها، فلم يسمح له النادي الذي كان ردّه بالنص: الرئيس يأتي ويرحل، أما مارادونا، فباقٍ أميراً للقلوب ومالكاً لهذا المكان!










