الكتاب: الماءتأليف: ستيفن سولومونترجمة:عادل العامل إن كتابة تاريخ للماء فكرة جيدة. فنظراً لكون الحياة تعتمد على الماء، فإنه ظل المرافق الدائم للإنسان منذ برز أسلافه الأوائل من البحر، و يمكن القول، قبل ذلك حتى. و لذلك ظلت الشؤون البشرية متعلقة بالماء على نحوٍ يصعب حلّه. لكن الإنسان أساء، و ما يزال، استعمال صاحبه هذا،
و لهذا يواجه العالم الآن أزمة ماء، كما يقال. فهناك الكثير جداً منه في بعض الأماكن، و القليل جداً في أماكن أخرى. و قد جرى تحميضه، و توسيخه، و تبديده. و ما عاد بالإمكان أخذه كما هو.إن ثلاثة أرباع كتاب ستيفِن سولومون (الماء) هي تقرير عن هيمنة و انقراض حضارات متنوعة، منظوراً إليها بعدسات مائية. و يبدأ المسح بعهود غابرة في مصر و بلاد ما بين النهرين و مناطق حول الهندوس و النهر الأصفر. و يمضي عبر الإمبراطورية الرومانية، و إنشاء قناة الصين الهائلة في القرن السابع و العهد الإسلامي الذي تلا ذلك. ثم تأتي إثارات التطور الميكانيكي في أوروبا القرون الوسطى التي سبقت اختراع ماكنة البخار في بريطانيا، و حلول العصر الصناعي و الإنتاج الواسع، و الاستهلاك، في القرن الأميركي. و طوال ذلك، يتعرف القارئ على السدود، و القنوات بمختلف أنواعها، و النواعير، و أدوات رفع الماء، إضافةً إلى الاختراعات المتعلقة بالنظافة و الصحة، و المعارك البحرية و رحلات الاستكشاف عبر البحار. و تتمثّل أطروحة البحث في أن الحضارات المتينة الوجود تعزّزها السيطرة المائية الفعالة. و كحجةٍ، فإن ذلك قد يبدو عادياً جدا، لكن الأمر ليس هكذا في الحقيقة. و إحدى الصعوبات أن السيد سولومون يجهد نفسه في الغالب لجعل الماء أكثر أهميةً مما كان عليه فعلياً. فالإمبراطورية الرومانية، فيما يبدو، تفتّتت لأنها كانت تفتقر إلى " الدافع التوحيدي " لقناة توزيع مياه داخلية حيوية كالتي لدى الصين. و كانت قوة توليد الطاقة الكهربائية، أي الماء، هي التي شغّلت مصانع الطائرات و مصهرات الألمنيوم التي لعبت بدورها " دوراً حاسماً " في انتصار أميركا في الحرب العالمية الثانية. و منحت البالوعات و مياه الأنابيب الغرب " الأفضليات الاقتصادية النسبية و الشرعية سياسياً على منافسيه في الحرب الباردة ". و كانت قناة بنما، التي قلّصت المسافات، نصراً آخر بالنسبة للماء. و كان الماء، أو بالأحرى غيابه، هو الذي أجبر المسلمين في القرن الثامن على الخروج و المتاجرة و الفتح. و في الحقيقة، فإن استخدام المسلمين الجمال و هي نيابة عن الماء النادر في عبور الصحاري كان يعبّر عن أهمية الماء بالضبط. و يمكن القول إن كل تغيير تقريباً ثورة، و كل توسّع انفجار. و المواد الحافزة تكثر. و في الحقيقة، فإن الماء، كما قلنا بدءاً، يمتلك " قدرة استثنائية... على تحفيز ردود فعلٍ كيميائية أساسية "، جاعلةً منه " الوكيل الأكثر فعاليةً للتغيير " بالنسبة للأرض. و الحقيقة أن الماء لا يُعدّ مادةً حافزة إلا بالكاد في الظروف الاعتيادية. و من نواحٍ أخرى، فإن المشكلة هي كفاءة الماء الدنيا و ليس العليا. ذلك أن نسبة الـ 97.5 من الماء التي هي مالحة، على سبيل المثال، لا يُنظَر إليها إلا بالكاد، باستثناء كونها وسيلة للنقل. و هذا يترك فجوةً في تاريخ الماء. و مع أن الكثير قد قيل عن ماكنة البخار، لم يستحق الجليد شيئاً من الذكر إلا في النادر.و في الربع الأخير من الكتاب، يهجر المؤلف التاريخ و يتحول إلى نواقص الماء الآن و التصادمات السياسية التي يمكن أن تسببها. فالتنافس على ماء النيل شديد بين مصر و أثيوبيا. و هناك مجادلات عنيفة أيضاً تفرّق تركيا و جاراتها الجنوبيات في حوض الأردن. و كذلك الحال بالنسبة للهند و الصين. و في أماكن كثيرة، منها الولايات المتحدة، و شمال أفريقيا، و الشرق الأوسط، فإن الطبقات الصخرية المائية التي يمكن أن يكون ماؤها قد ظل كامناً من 10,000 إلى 75,000 سنة يجري استنزافها الآن بشكلٍ متهور، من دون أي احتمال في امتلاءٍ مجدَّد لدهرٍ أو دهرين من الزمن. و الفقراء هم الذين يعانون ذلك أكثر من غيرهم في كل مكان.و السيد سولومون غير يائسٍ. فهو يقدم بعض الأسباب للأمل. و من المؤسف أنه لم يكرس أكثر كتابه للحاضر و المستقبل، و للسياسات التي يمكن أن تخفّف من حدة الوضع الذي يصفه. عن/ The Economist
دور الماء في نشوء الحضارات.. و الأزمات أيضاً!
نشر في: 27 إبريل, 2010: 04:46 م