TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شناشيل: في مسألة مجلس الخدمة العامة!

شناشيل: في مسألة مجلس الخدمة العامة!

نشر في: 11 نوفمبر, 2019: 08:17 ص

من أجل أن يبقى قلم الكاتب الراحل عدنان حسين حاضراً في المشهد العراقي، تعيد المدى نشر بعض "شناشيله" التي سلط من خلالها الضوء على الفساد الإداري والمالي ودافع عن قيم الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.

عدنان حسين

عشر سنوات، هي ثلثا عمر النظام الحالي، عطّلوا فيها العمل بمجلس الخدمة العامة وقانونه، مع أنه من الأركان الرئيسة لإقامة دولة مستقرة مستندة الى مبادئ الكفاءة والمساواة والعدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص التي طالما نادوا بها، ونصّ عليها دستور 2005 الذي كتبوه بأنفسهم وألزم الدولة بكفالتها لجميع العراقيين والعراقيات بصرف النظر عن القومية والدين والمذهب والاتجاه السياسي ولون البشرة والمنحدر الاجتماعي. الفاسدون والمُفسدون الذين أمسكوا بقرون الدولة كلّ هذه المدة، هم الذين ركنوا هذا المجلس وقانونه جانباً، مثلما وضعوا الغالبية العظمى من أحكام الدستور والقوانين التي شرّعوها بأنفسهم وراء ظهورهم.

في ظنّي أنّ من أهم أسباب تعطيل العمل بهذا القانون أنّه يتضمّن بنداً ينصّ على ألّا يكون المتقدم الى وظائف رئيس المجلس ونائبه وأعضاء المجلس، وهي جميعاً بدرجة وزير أو درجة خاصة، محكوماً عليه بجناية أو جنحة مخلّة بالشرف. هذا الشرط ليس بدعة ليُوقف العمل بالقانون بسببه. الدولة العراقية الحديثة منذ إنشائها مطلع القرن الماضي تحرّم إسناد الوظيفة العامة، حتى لو كانت بأدنى الدرجات، الى المحكوم بجناية أو جنحة مخلّة بالشرف كالسرقة والرشوة والاختلاس والاحتيال والتزوير وخيانة الأمانة. شخصياً كنتُ قد تعيّنت في وظيفة حكومية في العهد السابق (السبعينيات) عن طريق المجلس الذي أعلن عن الوظيفة فتقدّمنا نحو خمسة عشر طالب وظيفة من الاختصاص عينه (الإعلام) وخضعنا لامتحان ملتزم بصرامة قواعد المهنية، وصارت الوظيفة من نصيبي (تركتها لاحقاً لأتفرغ للعمل الصحفي الحرّ)، مع أنني لم أكن محسوباً على النظام، بل كنتُ معروفاً بمعارضته، وكان بين المتنافسين أحد المحسوبين على النظام (بعثي). حتى نظام البعث لم يجرؤ إلى حدّ معيّن على تجاوز وجود المجلس وقانونه وقواعد التوظيف عن طريقه.. نظامنا الحالي فقط هو الذي جعل الدولة "خان جغان" وحوّل المجتمع الى ما يُشبه "الطولة" (زريبة الحيوانات) لنبلغ في نهاية المطاف هذا المستوى من الانحدار التام الشامل!

على مدى السنوات العشر الماضية تعيّن في مناصب الدولة العليا والخاصة المئات من الأشخاص ممّن يتعارض تعيينهم مع أحكام هذه المادة من قانون الخدمة العامة ومع أحكام الدستور والقوانين النافذة... مرتشون وسرّاق ومختلسون ومزوّرو مستمسكات رسمية ووثائق وشهادات دراسية جرى تعيينهم تجاوزاً على أحكام هذا القانون وسواه من القوانين.. عيّنهم المسؤولون الأكبر في الدولة، من رؤساء جمهورية ومجلس نواب وحكومة ونواب لهؤلاء الرؤساء ومن وزراء ووكلاء وزارات ورؤساء هيئات ومؤسسات ونواب ومحافظين وزعماء أحزاب، لتحقيق مصالح مادية ومعنوية، شخصية وحزبية واجتماعية، بما فيها قبض رشى، وبعضهم عُيّن "بالوكالة" تحايلاً على القوانين لمدة من المفترض ألّا تتجاوز الستة أشهر، لكنّها تحوّلت الى مدة مفتوحة لسنين مستمرة حتى اليوم. هذه الظاهرة برمّتها انطلقت وتفشّت خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لكنّها استمرت بعده برغم تعهدات خليفته العبادي، والآن عبد المهدي، بوقفها!

القضية الآن، كيف سيجري التعامل مع المتقدمين الى وظائف ديوان مجلس الخدمة ومجمل الوظائف التي سيُعلن المجلس عنها لاحقاً؟ إذا ما التزم المجلس بشرط عدم ارتكاب جريمة مخلّة بالشرف؟..  ألا يكون هذا انتهاكاً لأحكام الدستور الذي كفل مبادئ المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص؟. كيف سيتعامل المجلس والحكومة إذا ما شكاهما أحد المتقدمين المرفوضين بحجّة ارتكاب جريمة مخلّة بالشرف فيما يعج جهاز الدولة، بما فيه دوائر تابعة لمجلس الوزراء والأمانة العامة له ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب والهيئات "المستقلّة" والمؤسسات العامة ودواوين المحافظات، بأشخاص محكومين بجرائم مخلّة بالشرف؟.. هناك العديد من الوزراء والنواب والمحافظين وسواهم ممّن سبق أن صدرت في حقهم أحكام من هذا النوع ثم شُمِلوا بقانون العفو العام فعادوا إلى وظائفهم السابقة. وإذا اعترض المرفوضون لدى محكمة القضاء الإداري أو لدى مجلس القضاء، ماذا سيكون موقف هذه الجهات؟.. هذه قضية ليست بذات شأن قليل، ولا يصحّ أن تتعامل معها الحكومة الى الأبد بالتغافل، فثمة جريمة في حقّ الدستور والقوانين النافذة تُرتكب على هذا الصعيد، وهي ليست من النوع الذي يسقط بالتقادم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram