الأربعاء، 26 فبراير 2025

℃ 11
الرئيسية > عام > ماريو بوزو في مئويته.. لم يلتق مؤلف العراب برجل عصابات حقيقي ، لكن ميلودراما المافيا الخاصة به لا تزال خالدة

ماريو بوزو في مئويته.. لم يلتق مؤلف العراب برجل عصابات حقيقي ، لكن ميلودراما المافيا الخاصة به لا تزال خالدة

نشر في: 19 أكتوبر, 2020: 06:32 م

 رواية بوزو هي أكثـر بكثير من مجرد قصة عصابات ، إنها تشريح رائع لتجربة الهجرة وتعليق لاذع على الجشع .

كتابة / الناقد السينمائي البريطاني مارتن شيلتون

ترجمة / أحمد فاضل

كانت رواية " العراب " للكاتب الأميركي ماريو بوزو عام 1969 على قائمة أفضل الكتب مبيعاً لمدة 67 أسبوعاً ، حيث بيعت أكثر من 21 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم ، وتم إنتاجها سينمائياً في فيلم عام 1972 يمكن القول إنه يمثل الصورة المميزة للمافيا في القرن العشرين المنصرم لبعض أفلام السينما التي لا تُنسى . 

في عام 1996 ، أخبر الصحفي الأميركي تشارلي روز عن أن شخصيتين قد اقتربا منه بعد وقت قصير من إطلاق الفيلم ، أحدهما كان جون روسيلي ، قاتل في إحدى عصابات شيكاغو ، تم العثور على جثته لاحقاً طافية في خليج بيسكين ، داخل برميل مغلق سعة 55 جالوناً ، الذي لفت الأنظار كونه قد يكون له علاقة بأحداث رواية بوزو الذي قال :

" أشعر بالخجل من الاعتراف بأنني كتبت رواية " العراب " بالكامل من خلال تتبعي لأخبار عصابات المافيا ، حيث لم أقابل قط رجلاً واحداً منهم كنت أعرف عالم المقامرة جيداً ، لكن هذا كل شيء " ، وشخصية دون فيتو كورليوني القوية التي صورها مارلون براندو أولاً ولاحقاً كشاب في " العراب " الجزء الثاني ، تم تصميمها على غرار ماريا والدة بوزو المولودة في نابولي ، التي قال عنها : " لا يزال بإمكانه سماع صوت والدتي " ، وقد طلب من بوزو ذات مرة مقارنة فيتو مع والدته حيث قال :

" مثل الدون ، يمكن أن تكون دافئة للغاية وقاسية للغاية " ، وقد كان حديثه لصحيفة نيويورك تايمز أكثر دقة حينما قال :

" كان والدي عندما يعود إلى المنزل متأخراً ، اتخذت والدتي قراراً حياله بعدم السماح له بالخروج ، هذا قرار مافيوي " .

قبل 100 عام ، في 15 أكتوبر / تشرين الأول 1920 ولد بوزو في منطقة غرب مانهاتن المعروفة باسم " مطبخ الجحيم " ، ترك والده أنطونيو - كان يعمل في السكك الحديدية المركزية في نيويورك - عائلته عندما كان بوزو في الثانية عشرة من عمره ولم يعد بعد حبسه بسبب مرض انفصام الشخصية ، ورواية بوزو عن طفولته الفقيرة مروعة حدثت داخل تلك "الأحياء الفقيرة" الصغيرة ، في مذكراته ، قال بوزو إن أخته الكبرى إيفلين هي المتنفذة في العائلة ، لقد كنت أخاف منها كثيراً لدرجة أنني عندما كنت في الصف الثامن وحصلت على بطاقة تقرير سيئة ، قمت بتغيير العلامات ، أدركت حينها أن المعلمة ستلاحظ ، لذلك بقيت بعد خروج جميع الطلاب من المدرسة وأشعلت النار فيها ، كان عليهم إخلاء المبنى ، لقد كان حريقاً كبيراً .

وقد ألهمت نشأة بوزو الكثير من تفاصيل روايته " العراب " ، منها كيف يتخلص فيتو من بعض أسلحته حين ألقى بنادقه في مجرى الهواء ، وأخذتهم والدتي واحتجزتهم من أجله ، ثم جاء واستعاد بنادقه وقال : "هل ترغبين في سجادة ؟ " ، فأرسلت أخي للحصول على البساط ، ولم يدرك أخي أن الرجل كان قد سرقه ، وعلى الرغم من أن بوزو كان يعمل جيداً في مدرسة التجارة الثانوية ، إلا أن الحاجة إلى المال أُجبرته على المغادرة في سن 15 للعمل كمسؤول لوحة مفاتيح في السكك الحديدية ، لقد كان منشغلاً في إحدى روايات دوستويفسكي لدرجة أنه نسي تغيير الإشارات ، مما أدى إلى توقف جميع القطارات المحلية .

قال بوزو ، الذي انضم للقتال في الحرب العالمية الثانية : " خدمت مع الفرقة المدرعة الرابعة " ، وعلى الرغم من أنه كان يمزح حول سجله الحربي ، واصفًا نفسه بأنه " ضعيف " وجندي " غير كفوء " ، فقد حصل على نجمة المعركة بعد تعرضه لإطلاق نار في فرنسا ، بعد الحرب ، تزوج الألمانية إيريكا بروسك البالغة من العمر 24 عاماً ، واستفاد بوزو من أحكام قانون جي آي لتمويل الرسوم الدراسية في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية وجامعة كولومبيا ، لقد منحه تعليمه الثقة لكسب لقمة العيش ككاتب ، فبدأ بكتابة القصص لمجلات الرجال - أحياناً باستخدام اسم ماريو كليري ، قبل أن يطلق روايته الأولى " الساحة المظلمة " عام 1955 ، والتي تدور أحداثها في ألمانيا المحتلة ، أما روايته " الحاج المحظوظ " فقد استغرقته عشر سنوات لنشرها ، وهي قصة سيرة ذاتية عن تجربة المهاجرين الإيطاليين قد أشادت بها صحيفة نيويورك تايمز باعتبارها عملاً كلاسيكياً صغيراً ، بيع منها 4000 نسخة فقط وتركته يكافح من أجل إعالة زوجته وأطفاله الخمسة ، وقد سخر إخوته من طموحاته الأدبية ، ووصفوه بأنه " اختيار العائلة " ، وهي إهانة إيطالية تعني حمار .

في مذكراته كتب بوزو : " كنت أنحدر بسرعة ... كنت في الخامسة والأربعين من العمر وتعبت من كوني كاتباً ، بالإضافة إلى ذلك ، كنت أدين بمبلغ 20000 دولار لأقارب وشركات تمويل ومصارف ومراهنات متنوعة ، لقد حان الوقت حقاً للإنطلاق حيث نُصح بالكتابة عن عالم المافيا ، فانسحب بوزو إلى غرفة صغيرة في الطابق السفلي في منزله في نيويورك وبدأ في رسم خطوط رواية حافلة بالمؤامرات على آلة كاتبة أولمبيا عام 1965 ، وأحياناً يوجه تحذيراً لأطفاله بشأن الضوضاء " ، قال توني نجل بوزو لاحقاً لصحيفة نيويورك بوست : " كان يصرخ أنا أكتب أفضل الكتب مبيعاً "، معترفاً بأنهم ضحكوا على تفاخر والدهم ، ومع ذلك ، فإن ثقة بوزو تخفي عدم الأمان ، واعترف لاحقاً لروز أنه إذا لم تنجح رواية الأب الروحي ، لا أعتقد أنني كنت سأكتب كتاباً آخر .

يذكر بوزو حينما عرض روايته " العراب " للنشر رفض ثمانية ناشرين نشرها ، لكنه لم ييأس فعرضها على دار نشر بوتنام وأولاده فجلسوا يستمعون لها لمدة ساعة ، قرروا في النهاية نشرها مقابل 5000 دولار ، لقد كان نجاحاً مثيراً منذ اللحظة التي ظهرت فيها في المكتبات في 10 مارس / آذار 1969 ، اعتقد بوزو وقتها أن بعض شعبية روايته تعود إلى خيبة الأمل من النظام القضائي الأميركي ، وفي عام 1972 باع بوزو حقوقها إلى شركة بارامونت بكتشرز لإنتاجها عملاً سينمائياً ضخماً مقابل دفعة أولى قدرها 12500 دولار ، ورسوم ثابتة قدرها 75000 دولار إذا تم إنتاجها ، متجاهلاً تحذير وكيله بالانتظار ، حيث قال بعدها لصحيفة نيويورك تايمز : "اعتقدت أنني كنت أتعامل مع باراماونت حقًا"،

وبدلاً من ذلك لم ير بوزو أي عائدات له عندما أصبح الفيلم يدر ربحاً كبيراً ، لكنه وبعد رفعه حكماً على الشركة المنتجة ، انتهى به الأمر بكسب أكثر من 150 مليون دولار .

عهدت بعدها شركة باراماونت إلى إخراج الفيلم لفرانسيس فورد كوبولا البالغ من العمر 32 عاماً ومشاركة المؤلف في كتابة السيناريو ، كلا الرجلين حصل على جوائز الأوسكار ، يتذكر توني بوزو : " بعد الأب الروحي ، اشترى والدي كتاباً عن كيفية كتابة السيناريوهات ، لكنه وعند قراءته الصفحة الأولى منه قال :

" أفضل سيناريو كتب على الإطلاق كان " الأب الروحي " ، ألقى الكتاب بعدها بعيداً" .

ومن طريف ما يذكر أن نزاعاً حاداً نشب بين كوبولا وبوزو بسبب الجزء الثاني من العراب ، عندما اختلفوا حول مصير فريدو كورليوني ( يلعبه جون كازالي ) ، قال بوزو : " لم أكن أريد أن يُقتل فريدو بأي حال من الأحوال ، لكنني قلت إن شقيقه مايكل لا يمكن أن يقوم بذلك حتى موت والدتهما " .

جمع بوزو ثروة كبيرة بسبب " العراب " ، صرف بعضها في تجديد منزله ، وأنفق العض الآخر على القمار ، وأفرط في تناوله للطعام الفاخر مما تسبب بزيادة وزنه ، فقد كان يحب الطعام الصيني والمطبخ الإيطالي الفاخر ، وبنى ملعباً للتنس في حديقته الكبيرة ، وخلال 21 عاماً من حياته عاش مع كارول جينو ، وهي ممرضة اعتنت بزوجته إريكا المصابة بسرطان الثدي والذي فارقت الحياة بسببه عن 59 عاماً في عام 1978 ، ظل بوزو " مدمناً " على القراءة ، أحياناً لمدة 16 ساعة يومياً ، وغالباً ما كان لديه 20 كتاباً أثناء التنقل ، وكان من بين روائيه المفضلين جون لو كاري ولاري ماكمورتي و "الروائيات الإنكليزيات" فاي ويلدون وموريل سبارك التي ولدت في إدنبرة .

كان بوزو مدخناً للسيجار لسنوات ، الأمر الذي ساعد في إصابته بمرض السكري المزمن والأزمة القلبية عام 1995 التي جعلته يمشي بصعوبة ، وأجبرته على تركيب مصعد في منزله ، لكنه توفي عام 1999 عن عمر 78 عاماً ، بسبب قصور في القلب بعد أن أنهى رواية جديدة ، وقبل وفاته بفترة وجيزة ، أصر بوزو على أن فيلم " العراب " أفضل من روايته وأفضل من 20 فيلماً على الإطلاق ، ومع ذلك ، فإن قصته الخالدة هي أكثر بكثير من مجرد ميلودراما عصابات ، إنها تشريح رائع لتجربة الهجرة وتعليق لاذع على الجشع ، وتظل أفضل ما كتبه ، مثل " لا تكره أعداءك أبداً " ، أو الشاعر " لوكا براسي ينام مع الأسماك " كلاسيكيات

، وحينما نحتفل بمئويته فهي جزء من استحقاقه كأحد أبرز الموهوبين الروائيين في القرن العشرين .

عن / صحيفة الإندبندنت البريطاني

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الموارد المائية تنفي إزالة سد بادوش في نينوى

العراق يتأثر بمرتفع جوي سطحي يؤدي لاستقرار الطقس وصعود الحرارة 3 درجات

«الفصائل المتقاعدة» تزاحم الإطار التنسيقي على المناصب!

غرفة البرلمان الثانية.. مجلس الاتحاد يعود إلى الواجهة وقلق من التنافس الحزبي

العمود الثامن: مستشار كوميدي!!

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

صورة الحياة وتحديات الكتابة من منظور راينر ماريا ريلكه

وجهة نظر: كيف يمكن للسرد أن يحدد الواقع؟

مقالات ذات صلة

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا
عام

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا

ماكس تِغمارك* ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي بين كلّ الكلمات التي أعرفُها ليس منْ كلمة واحدة لها القدرة على جعل الزبد يرغو على أفواه زملائي المستثارين بمشاعر متضاربة مثل الكلمة التي أنا على وشك التفوّه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram