رواية بوزو هي أكثـر بكثير من مجرد قصة عصابات ، إنها تشريح رائع لتجربة الهجرة وتعليق لاذع على الجشع .
كتابة / الناقد السينمائي البريطاني مارتن شيلتون
ترجمة / أحمد فاضل
كانت رواية " العراب " للكاتب الأميركي ماريو بوزو عام 1969 على قائمة أفضل الكتب مبيعاً لمدة 67 أسبوعاً ، حيث بيعت أكثر من 21 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم ، وتم إنتاجها سينمائياً في فيلم عام 1972 يمكن القول إنه يمثل الصورة المميزة للمافيا في القرن العشرين المنصرم لبعض أفلام السينما التي لا تُنسى .
في عام 1996 ، أخبر الصحفي الأميركي تشارلي روز عن أن شخصيتين قد اقتربا منه بعد وقت قصير من إطلاق الفيلم ، أحدهما كان جون روسيلي ، قاتل في إحدى عصابات شيكاغو ، تم العثور على جثته لاحقاً طافية في خليج بيسكين ، داخل برميل مغلق سعة 55 جالوناً ، الذي لفت الأنظار كونه قد يكون له علاقة بأحداث رواية بوزو الذي قال :
" أشعر بالخجل من الاعتراف بأنني كتبت رواية " العراب " بالكامل من خلال تتبعي لأخبار عصابات المافيا ، حيث لم أقابل قط رجلاً واحداً منهم كنت أعرف عالم المقامرة جيداً ، لكن هذا كل شيء " ، وشخصية دون فيتو كورليوني القوية التي صورها مارلون براندو أولاً ولاحقاً كشاب في " العراب " الجزء الثاني ، تم تصميمها على غرار ماريا والدة بوزو المولودة في نابولي ، التي قال عنها : " لا يزال بإمكانه سماع صوت والدتي " ، وقد طلب من بوزو ذات مرة مقارنة فيتو مع والدته حيث قال :
" مثل الدون ، يمكن أن تكون دافئة للغاية وقاسية للغاية " ، وقد كان حديثه لصحيفة نيويورك تايمز أكثر دقة حينما قال :
" كان والدي عندما يعود إلى المنزل متأخراً ، اتخذت والدتي قراراً حياله بعدم السماح له بالخروج ، هذا قرار مافيوي " .
قبل 100 عام ، في 15 أكتوبر / تشرين الأول 1920 ولد بوزو في منطقة غرب مانهاتن المعروفة باسم " مطبخ الجحيم " ، ترك والده أنطونيو - كان يعمل في السكك الحديدية المركزية في نيويورك - عائلته عندما كان بوزو في الثانية عشرة من عمره ولم يعد بعد حبسه بسبب مرض انفصام الشخصية ، ورواية بوزو عن طفولته الفقيرة مروعة حدثت داخل تلك "الأحياء الفقيرة" الصغيرة ، في مذكراته ، قال بوزو إن أخته الكبرى إيفلين هي المتنفذة في العائلة ، لقد كنت أخاف منها كثيراً لدرجة أنني عندما كنت في الصف الثامن وحصلت على بطاقة تقرير سيئة ، قمت بتغيير العلامات ، أدركت حينها أن المعلمة ستلاحظ ، لذلك بقيت بعد خروج جميع الطلاب من المدرسة وأشعلت النار فيها ، كان عليهم إخلاء المبنى ، لقد كان حريقاً كبيراً .
وقد ألهمت نشأة بوزو الكثير من تفاصيل روايته " العراب " ، منها كيف يتخلص فيتو من بعض أسلحته حين ألقى بنادقه في مجرى الهواء ، وأخذتهم والدتي واحتجزتهم من أجله ، ثم جاء واستعاد بنادقه وقال : "هل ترغبين في سجادة ؟ " ، فأرسلت أخي للحصول على البساط ، ولم يدرك أخي أن الرجل كان قد سرقه ، وعلى الرغم من أن بوزو كان يعمل جيداً في مدرسة التجارة الثانوية ، إلا أن الحاجة إلى المال أُجبرته على المغادرة في سن 15 للعمل كمسؤول لوحة مفاتيح في السكك الحديدية ، لقد كان منشغلاً في إحدى روايات دوستويفسكي لدرجة أنه نسي تغيير الإشارات ، مما أدى إلى توقف جميع القطارات المحلية .
قال بوزو ، الذي انضم للقتال في الحرب العالمية الثانية : " خدمت مع الفرقة المدرعة الرابعة " ، وعلى الرغم من أنه كان يمزح حول سجله الحربي ، واصفًا نفسه بأنه " ضعيف " وجندي " غير كفوء " ، فقد حصل على نجمة المعركة بعد تعرضه لإطلاق نار في فرنسا ، بعد الحرب ، تزوج الألمانية إيريكا بروسك البالغة من العمر 24 عاماً ، واستفاد بوزو من أحكام قانون جي آي لتمويل الرسوم الدراسية في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية وجامعة كولومبيا ، لقد منحه تعليمه الثقة لكسب لقمة العيش ككاتب ، فبدأ بكتابة القصص لمجلات الرجال - أحياناً باستخدام اسم ماريو كليري ، قبل أن يطلق روايته الأولى " الساحة المظلمة " عام 1955 ، والتي تدور أحداثها في ألمانيا المحتلة ، أما روايته " الحاج المحظوظ " فقد استغرقته عشر سنوات لنشرها ، وهي قصة سيرة ذاتية عن تجربة المهاجرين الإيطاليين قد أشادت بها صحيفة نيويورك تايمز باعتبارها عملاً كلاسيكياً صغيراً ، بيع منها 4000 نسخة فقط وتركته يكافح من أجل إعالة زوجته وأطفاله الخمسة ، وقد سخر إخوته من طموحاته الأدبية ، ووصفوه بأنه " اختيار العائلة " ، وهي إهانة إيطالية تعني حمار .
في مذكراته كتب بوزو : " كنت أنحدر بسرعة ... كنت في الخامسة والأربعين من العمر وتعبت من كوني كاتباً ، بالإضافة إلى ذلك ، كنت أدين بمبلغ 20000 دولار لأقارب وشركات تمويل ومصارف ومراهنات متنوعة ، لقد حان الوقت حقاً للإنطلاق حيث نُصح بالكتابة عن عالم المافيا ، فانسحب بوزو إلى غرفة صغيرة في الطابق السفلي في منزله في نيويورك وبدأ في رسم خطوط رواية حافلة بالمؤامرات على آلة كاتبة أولمبيا عام 1965 ، وأحياناً يوجه تحذيراً لأطفاله بشأن الضوضاء " ، قال توني نجل بوزو لاحقاً لصحيفة نيويورك بوست : " كان يصرخ أنا أكتب أفضل الكتب مبيعاً "، معترفاً بأنهم ضحكوا على تفاخر والدهم ، ومع ذلك ، فإن ثقة بوزو تخفي عدم الأمان ، واعترف لاحقاً لروز أنه إذا لم تنجح رواية الأب الروحي ، لا أعتقد أنني كنت سأكتب كتاباً آخر .
يذكر بوزو حينما عرض روايته " العراب " للنشر رفض ثمانية ناشرين نشرها ، لكنه لم ييأس فعرضها على دار نشر بوتنام وأولاده فجلسوا يستمعون لها لمدة ساعة ، قرروا في النهاية نشرها مقابل 5000 دولار ، لقد كان نجاحاً مثيراً منذ اللحظة التي ظهرت فيها في المكتبات في 10 مارس / آذار 1969 ، اعتقد بوزو وقتها أن بعض شعبية روايته تعود إلى خيبة الأمل من النظام القضائي الأميركي ، وفي عام 1972 باع بوزو حقوقها إلى شركة بارامونت بكتشرز لإنتاجها عملاً سينمائياً ضخماً مقابل دفعة أولى قدرها 12500 دولار ، ورسوم ثابتة قدرها 75000 دولار إذا تم إنتاجها ، متجاهلاً تحذير وكيله بالانتظار ، حيث قال بعدها لصحيفة نيويورك تايمز : "اعتقدت أنني كنت أتعامل مع باراماونت حقًا"،
وبدلاً من ذلك لم ير بوزو أي عائدات له عندما أصبح الفيلم يدر ربحاً كبيراً ، لكنه وبعد رفعه حكماً على الشركة المنتجة ، انتهى به الأمر بكسب أكثر من 150 مليون دولار .
عهدت بعدها شركة باراماونت إلى إخراج الفيلم لفرانسيس فورد كوبولا البالغ من العمر 32 عاماً ومشاركة المؤلف في كتابة السيناريو ، كلا الرجلين حصل على جوائز الأوسكار ، يتذكر توني بوزو : " بعد الأب الروحي ، اشترى والدي كتاباً عن كيفية كتابة السيناريوهات ، لكنه وعند قراءته الصفحة الأولى منه قال :
" أفضل سيناريو كتب على الإطلاق كان " الأب الروحي " ، ألقى الكتاب بعدها بعيداً" .
ومن طريف ما يذكر أن نزاعاً حاداً نشب بين كوبولا وبوزو بسبب الجزء الثاني من العراب ، عندما اختلفوا حول مصير فريدو كورليوني ( يلعبه جون كازالي ) ، قال بوزو : " لم أكن أريد أن يُقتل فريدو بأي حال من الأحوال ، لكنني قلت إن شقيقه مايكل لا يمكن أن يقوم بذلك حتى موت والدتهما " .
جمع بوزو ثروة كبيرة بسبب " العراب " ، صرف بعضها في تجديد منزله ، وأنفق العض الآخر على القمار ، وأفرط في تناوله للطعام الفاخر مما تسبب بزيادة وزنه ، فقد كان يحب الطعام الصيني والمطبخ الإيطالي الفاخر ، وبنى ملعباً للتنس في حديقته الكبيرة ، وخلال 21 عاماً من حياته عاش مع كارول جينو ، وهي ممرضة اعتنت بزوجته إريكا المصابة بسرطان الثدي والذي فارقت الحياة بسببه عن 59 عاماً في عام 1978 ، ظل بوزو " مدمناً " على القراءة ، أحياناً لمدة 16 ساعة يومياً ، وغالباً ما كان لديه 20 كتاباً أثناء التنقل ، وكان من بين روائيه المفضلين جون لو كاري ولاري ماكمورتي و "الروائيات الإنكليزيات" فاي ويلدون وموريل سبارك التي ولدت في إدنبرة .
كان بوزو مدخناً للسيجار لسنوات ، الأمر الذي ساعد في إصابته بمرض السكري المزمن والأزمة القلبية عام 1995 التي جعلته يمشي بصعوبة ، وأجبرته على تركيب مصعد في منزله ، لكنه توفي عام 1999 عن عمر 78 عاماً ، بسبب قصور في القلب بعد أن أنهى رواية جديدة ، وقبل وفاته بفترة وجيزة ، أصر بوزو على أن فيلم " العراب " أفضل من روايته وأفضل من 20 فيلماً على الإطلاق ، ومع ذلك ، فإن قصته الخالدة هي أكثر بكثير من مجرد ميلودراما عصابات ، إنها تشريح رائع لتجربة الهجرة وتعليق لاذع على الجشع ، وتظل أفضل ما كتبه ، مثل " لا تكره أعداءك أبداً " ، أو الشاعر " لوكا براسي ينام مع الأسماك " كلاسيكيات
، وحينما نحتفل بمئويته فهي جزء من استحقاقه كأحد أبرز الموهوبين الروائيين في القرن العشرين .
عن / صحيفة الإندبندنت البريطاني