TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: ما يحذفه المحررُ من المشهد

قناطر: ما يحذفه المحررُ من المشهد

نشر في: 15 نوفمبر, 2020: 08:04 م

 طالب عبد العزيز

أنت، لن تعبر الجسر بأغنيتك الأولى، وهذا، أصيص الزهر، لم يعد يمنح النافذة ما يناسبها، هناك، خللٌ ما في ترتيب أرفف الحلم على الوسائد الجديدة، وما ننتظره في لحظة التأويل، لن تفصح عنه سطور الرواية، في الصفحة الأخيرة، الناشرُ يبيعُ أحجيةً، والى حيث يقودنا الإسفلت، ستكون لنا طاولة ومقعدٌ، نحن، نستعيدُ أناقة الشارع بقبعة زرقاء، في يوم ماطر، بلقلق على منارة المسجد، حيث يبدو الهلاُل زورقاً في عين الريح. 

العشب يغيّر لون الرصيف لأنكَ أهملتَ اللوحة، ولم تكمل ابتسامةَ إعجابك بالأيّل النائم في حديقة المتنزه، تركتهُ في أعين السيّاح طريدةَ فضولهم، فيما الماءُ يؤثث وعاء الزجاج، يضاعف صبر السمكة الوحيدة فيه، وظلَّ المصباحُ وحيداً في حقيقة الضوء بالشرفة البعيدة، يؤنسهُ صمتُ أرغن، فيما يحتضن البلاطُ رنةَ قيدٍ أصفرَ، أحكم عقدته على حشد المفاتيح فيه، وهذه الأغنية ترتدُ ثانية وثالثة في عنق الكمان، والى حيث تتوقف مركبات العائدين من الليل، الخارجين من مراقص وحانات (جيل تولوز) والنافرين من مثلثات (كاندنسكي) لا أروّضَ الحكمةَ في كتاب، ولا أحملُ على ما أدبرَ في المعاني، أنا أفتح يدي حسب، أمررُ أصابعي على المباهج، حتى إذا صارت عشراً نثرتها، هذا ما أفعله كل يوم، يؤانسني، إنَّ من شجرة في باحة المبنى المُتَوهَمِ، ينبعثُ طائرٌ بجناحين من ماء وسوسن، لكنه يحتجبُ ساعة أكونُ وحيداً. 

أمسِ، حين تركتِ مِقعدَك في صالة المسرح، شيءٌ ما تغيّر في أداء الممثلين، حتى، أنَّ احدهم لم يأتِ على ذكر اسمك في مشهد النخل والماء، شيءٌ ما يتعطل في ذاكرة الورد، عند كلِّ غياب لك، وهذه الشجرة، التي تومئ للريح، أدركها عطرُ قميصك فأوشك الفجر أنْ يقول شيئاً، لكنه، انتهى بيد الشمس سريعاً، تناهبته الستائرُ، ثم أنه أخذَ النسوةَ الى المستحمات، وها، هنَّ يجففن شعرهن وأكتافهن عليه. لا، لم يبق منه شيء للغد، هذهِ الصباحاتُ ارتضت بالشتاء سريراً خلف نافذة مغلقة، خزانة ثياب لم تفتح من عامين، وتبعث منها رائحة رجل، ما زال نائماً بمقعده في قطار تقاطعت السكك عليه.

الحقيبةُ الفارغةُ لن تحمل صاحبتها بعيداً، هي تؤرجِحها حسب، فالنهرُ ما زال نائماً تحت الجسر، لم توظه مركبةُ الصبيّات الطالبات، ثمة ما يتقصفُ من خطى الشارع بأقدام الغيب، تتبعتُ ما استحدثته الجدرانُ من الظلال الى مُفْضَى الماء، فلم أجد أحداً هناك، كان الوقت عالقاً في الحليب والارغفة، في الاقلام والمماحي الكثيرة، ومن أريكة عتيقة عند مخزن بائعة الدانتيلا،في الجادة العريضة، غير المسماة ، تنبعث رائحةٌ تشبه النفتالين، لعلها قنينة خمر فارغة كانت. هناك، من حمل المعنى الى المقبرة، فرّقهُ على الشواهد والاسماء .

مثل أكثر العالقين في الطريق بين المُتوَقّع والمصادفة، انسبُ ليدي أنها كانت على علم بفقدك، وأنَّ المصادفة لن تُؤتى ثانية لي عند مخزن بائع الكتب، حيث وجدتك، وأنَّ ما يباعدُ بيننا أوسع من بحر محيط، وأننا لن نلجأ لذات الأغنية، ولن نحتكم الى قاضي الجذب العام، إذا هناك دائماً، من يحررُ الصفحةَ الأخيرة، في الكتاب الاخير، يستبدل العناوين والأسماء والأمكنة، ويمتلك الحق في حذف القبل والعناق الطويل من المشهد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram