د. أثير ناظم الجاسور
مع الاستعدادات لاحتلال العراق بشّرت الولايات المتحدة العالم والعراقيين من خلق نموذج فريد من نوعه في المنطقة نظام سياسي عقلاني مستقر منفتح على العالم على اقل تقدير منتج للاستقرار ابتعد عن نزعة التوسع والاحتلال،
يمتلك سياسة داخلية مبنية على الحوار والتسامح وفق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان تهدف مخرجاتها صوب التنمية والبناء والتطلع إلى كل ما هو إيجابي، وبشّرت بنظام سياسي يعمل وفق مبادئ السياسة والنظر للقضايا الخارجية والداخلية من منطلق المصلحة الوطنية، وبشّرت وبشّرت ووعدت بان يكون العراق مختلفاً عن سابقه حتى بات حلم العراقيين ان يكون بلدهم كأقرانه على الأقل دول المنطقة التي تنعم بالرفاهية والتنمية والحرية بعد ان عاش الشعب سنوات طوال من الحروب والمعاناة، وتعاونت مع أحزاب المعارضة ( الأحزاب الحاكمة الحالية) من أجل تسليمهم زمام الأمور لعراق جديد خالٍ من المشاكل والتهديدات والأزمات التي أثرت على مشاريعهم في المنطقة.
هذا النموذج الذي بشّرت به الولايات المتحدة لم يكن مستساغاً من قبل دول الجوار الذين وجدوا أنفسهم تحت التهديد المباشر إذا ما نجح في أن يكون فعلاً فريد، فكان دورها بالضرورة يدفع على عرقلة هذا المشروع اذا استبعدنا فكرة التخادم غير المباشر بين دول الجوار والولايات المتحدة، ولاعتبارات هاجس الأمن والتهديد تدخلت دول الجوار العراقي بالشأن الداخلي بشكل واضح وفعال حتى أصبحت هي صاحبة القرار الأول في كل شاردة وواردة في عملية بناء النظام الجديد وعمليته السياسية، بالمحصلة تم بناء النظام السياسي وفق مفهوم الهويات الفرعية الصغيرة ومن ثم تم تشكيل تحالفات أثنية مذهبية دينية قومية على أساسها تم صياغة العلمية السياسية التي خلقت مشوهة نتيجة ما حدث، لم يكن هذا النموذج بعيداً عن خطط وأفكار دول الجوار وليس بعيداً عن السيطرة الاميركية التي جعلت من أرض العراق ساحة لصراع هذه الدول والجماعات المتطرفة التي أرادت الأخيرة أن تنال منها على هذه الأرض.
هنا غاب مفهوم الدولة الوطنية وابتعد الجميع عن فكرة السيادة وباتت المصلحة الوطنية وجبة دسمة في الخطب والشعارات المرفوعة لكن السؤال مصلحة من على من ؟، لعبت الأحزاب بالتعاون مع دول الجوار والولايات المتحدة على وتر الطائفة والدين وجعلت من هذه المعادلة أساساً العمل السياسي وعملية إدارة الدولة، حتى أصبح الشعب يتدحرج مع المشاكل والأزمات التي أصبحت أيضاً من بديهيات النظام السياسي العراقي لما بعد العام 2003 من خلال التركيز على قضية التقسيم ابتداءً من تقسيم الحصص والمغانم بين الأحزاب والكتل الحزبية انتهاءً بعملية التمييز بين هذه الفئة الاجتماعية او تلك، لم تكن أمريكا في هذه اللحظة سوى موجه للعمل المؤسسي من خلال تعيين المستشارين الذين كانوا معنيين بإدارة المؤسسات وقوانين وضعت من قبل الحاكم المدني لم تكن تتناسب مع حجم الدمار الحاصل في العراق بالرغم من أن المرحلة كانت كافية لتعافي العراق من علله اذا ما تم اتباع إجراءات سليمة، لكن الذي حصل سار العراق وفق تفكيرين الأول التفكير الأميركي الذي أراد تحقيق المصلحة الاميركية على حساب القضايا الأساسية العراقية غير مكترثة بالوضع الأمني السيئ الذي أثر بشكل مباشر على كل تفاصيل عمل الدولة، والتفكير الثاني هو تفكير قوى المعارضة التي تحولت بقدرة الولايات المتحدة قوى حاكمة التي كانت ترى بان الشعب العراقي هو شريك أساسي للنظام السابق وعليه يجب ان يتحمل تبعات ما يحصل له، وصاحب تفكير الأحزاب عدم القدرة على إدارة الدولة دون الرجوع للإرادات الخارجية وما تم رسمه في الغرف المغلقة لدول الجوار العراقي.
بالتالي فان النموذج العراقي الذي بشرت به الولايات المتحدة ساعدت كل الأطراف من ضمنهم هي أن يكون اسوأ نموذج عرفته المنطقة سواء فيما يخص سياسته الخارجية التي اعتمدت على مبدأ الكيل بمكيالين والركون للتحالفات الضيقة المبنية على الانتماءات الضيقة أو من خلال سياسته الخارجية التي فقدت بوصلتها منذ اليوم الأول من تأسيس هذه العملية التي اعتمدت على فكرة تقسيم الكعكة، فالصورة التي نشاهدها الآن رسمت وفق قياسات ومعتقدات وتبنيات تعاونت عليها قوى الداخل والخارج التي دفعت بكل ما تمتلك من قوة وإرادة على أن يكون هذا النموذج على ما نحن نراه اليوم متهالك مثقل بالديون والخسارات غير مؤثر لا في محيطه الإقليمي ولا العالمي لا بل أصبح خارج كل التصنيفات العالمية في مختلف المجالات السياسية والتعليمية والصحية والخدمية حتى تذيل القوائم في التنمية والتطور والتحديث، لم يساعد هذا النموذج على بناء شرائح فعالة ممكن الاستفادة منها في المستقبل وبقي اقتصاده ريعي حتى كاد يقتله بسبب عدم دراسة التقلبات الدولية والاحداث التي بالضرورة تؤثر على هكذا اقتصاد، لقد شهد النموذج مراحل متعددة من سوء الإدارة التي انتجت الخراب والمحاصصة والطائفية والعرقية التي أفرزت الفساد الذي عززته الأحزاب بعد ان أصبحت الضامن الرئيس له بعد ان تعددت اوجهه من فساد مالي ساعد على إهدار المال العام الذي أوصلنا لحافة الإفلاس والانهيار الاقتصادي وفساد واداري من خلال توزيع المناصب والمواقع دون الرجوع للكفاءة والخبرة والمعرفة، بالإضافة إلى غياب سيطرة الدولة على تفاصيل مهمة مركونة لتوجهات مبنية على أسس العنف والتخريب وفرض ارادات القوة، وخلق زعامات وقيادات لا تفقه من السياسة ومعناها شيء، بالتالي أصبح المواطن العراقي ضمن هذا النموذج محكوم أما أن يعيش على مزاج الأحزاب والكتل الحاكمة وإما أن يكون مهمشاً مقصياً لا حول له ولا قوة لا دور له سوى رقماً هامشياً، وفي كل الأحوال هو يعيش تجليات النموذج الأميركي بطعم سياسات دول الجوار وما زال ينتظر أن تصحح ديمقراطية نفسها وتصحح هذا النموذج المعتل ليصل إلى بر الأمان.










