د. نادية هناوي
بالخوف قلب عبد الله الغذامي مقولة إن الحاجة أم الاختراع إلى مقولة إن الاختراع هو أبو الحاجة، فهل المسالة مسالة تبني أم أنها مسالة خوف من علم يواجه الخوف؟
لا يتضح الجواب عند الغذامي لأن القطع والتحول هي السمة العامة التي تسم أغلب مباحث كتبه. فأنت ما أن تقف على ظاهرة أو مفهوم أو جدلية ما حتى تجد نفسك وقد تحولت فجأة إلى مفهوم أو ظاهرة أو جدلية مختلفة مقطوعة عما سبقها مفاهيميا.
وإذا كانت الثقافة هي حلقة الوصل بين المباحث، فإنه وصل يشاكس ذهن القارئ ويدفعه إلى الانبهار أكثر من التعمق والى التشتت بدلا من التركيز.
وبالنسبة إلى الكتاب الذي نحن بصدده ( السردية الحرجة) فإن القطع حصل في الفصل الأول وفيه عرض المؤلف موضوعة العقل والعقلانية والذكاء الاصطناعي ليقطعه متحولا في الفصل الثاني إلى موضوعة أخرى هي الهوية وعلاقتها بالمدينة بوصفها صانعة الهويات، متتبعا في البدء مفهوم الهوية في معاجم اكسفورد وكامبردج ثم وقفة قصيرة عند كتاب التعريفات للشريف الجرجاني وكتاب أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ورؤيته للاختلاف والائتلاف، منتهيا إلى أن مفهوم الهوية زئبقي ومن ثم هو اختراع شأنه شأن الفلسفة.
ولم يبنِ ماهية هذا الاعتبار علماً أن تمثيله على الأقليات وأنواع الهويات كان كله من داخل المجتمع الامريكي ومن منظور الرجل الابيض الذي عده الغذامي صانع الهوية وصانع معانيها، ليتحول إلى المدينة التي هي على أنواع : فمنها المنغلقة كجمهورية أفلاطون أو المتعددة كالمدينة المنورة أو بغداد أو الحديثة الطبقية كأثينا أو حديثة البناء والثقافة كالمدن الامريكية والقائمة على وجود عقد اجتماعي اساسه الاختلاف.
ويقطع الحديث عن الهوية متحولا الى مبحث جديد ومختلف هو صناعة الخوف متتبعا اياه في الاساطير والدين والعلم ثم اللغة ودورها السلبي في صناعة الخوف بـ( التواطؤ اللغوي) وفيه يجد سردية حرجة تتمثل في الضخ اللغوي المستخدم في الشاشات التي تصير ( اسطورية) وما يحصل عند المشاهدة من تشابك ذهني بين العين والاذن والذهن فيصبح ما هو مألوف خارقيا. ويضرب الغذامي المثل بنفسه حين سكن في احدى الولايات الامريكية خلال فترة ابتعاثه للدراسة وكيف ان الخوف سيطر عليه بسبب متابعة التلفزيون.
واذا كانت السردية الحرجة في الفلسفة تعني الحرج العلمي فانها في الهوية تعني القطع والتحول فيكون الخوف رأسمالا للامان الذي يصير حرجا لأنه تامين يزيد الخوف حدة وهو يزعم مكافحته وبسبب هذه الصناعة( ينشأ الزمن الثقافي كسردية حرجة طابعها الخوف من كل شيء) بما في ذلك المدينة التي تصير خائفة من الراسمالية والاستهلاك ( وكأن الناس يشترون شقاءهم ويزهدون براحتهم في سردية معاشية تنطوي على النقيض والمضاد في كل مظاهرها)
ويأتي الفصل الرابع قاطعا الموضوع المبحوث بموضوع جديد هو لب الكتاب وبه عُنوّن( أي الشعبوية) كسردية حرجة تعبر عن ثورة المحظوظين. ولأن الشعبوية أطروحة جوناثان هايت يغدو كتابه ( العقل المستقيم) المرجع الأساس للناقد الغذامي بمصطلحات( الشعبوية popularism والشعب الحقيقي حيث اليسار شعبوي واليمين شعبوي والليبرالية الجديدة والمانوية الجديدة والتي تعني الفردانية ومقولة العاطفة تحكم أي العقل يخدم العاطفة والعصبوية أو الغالبية الاخلاقية والعدالة للاقوى والحرية للاقوى والوهم العقلاني والضد المتوحش).
وعادة ما تأتي إحالات الدكتور الغذامي إلى هايت حينا في الهامش أو في المتن وحينا آخر لا تأتي أصلا على نية أنها تُفهم ضمنا بينما تكثر إحالاته المتكررة إلى كتب الغذامي نفسه وأهمها كتابه( الليبرالية الجديدة) الذي بالكاد يخلو منه هامش من هوامش الكتاب كنوع من تأكيد أن ما يستعمله من مسميات هي شخصية من اجتراحه وأن لا فضل لهايت عليه في هذا المجال.
ونظرا للاعقلانية الشعبوية كان حريا أن يضمها المؤلف إلى الفصل الأول المعنون( العقلانية الجديدة والذكاء الاصطناعي) كما كان بالإمكان جمع مبحث الشعبوية العربية بمبحث الذكاء الاصطناعي أو ربما تقديم الشعبوية والشعبوية العربية في الفصل الاول على موضوعات الذكاء الاصطناعي والخوف والهوية والمدينة لاسيما أن التمثيل على الشعبوية العربية ــ بتسييس الدين وبالطائفية الدينية أو العصبوية وبالاستقطاب الحزبي والاقليات ــ بدا غير جديد فلقد كُثر الطرح والنقاش في هذه القضايا منذ النهضة الأدبية واذكر هنا عبد الرحمن الكواكبي وكتابه( مصارع الاستبداد) المنشور في نهاية القرن التاسع عشر والى يومنا هذا وهذه القضايا مثار الاهتمام ومن ثم تكون السردية الحرجة ضائعة وغير حاضرة في أي تمثيل من هذه التمثيلات.
وبسبب تمثيلات الدكتور الغذامي المعتادة على الشعبوية العربية وقع بشكل غير مباشر في الحرج فلم يضعنا أمام الطبيعة السردية للحرج الشعبوي العربي متجنبا بالعموم التطرق إلى دور السياسة العالمية وتبعية الانظمة العربية في تعزيز تلك الشعبوية.
وبسبب قصر المباحث وما اتسمت به من الاختزال والتحول من جهة والتركيز على موضوعة الشعبوية من جهة أخرى بدا التناول الموضوعي للشعبوية بعيدا عن أية سردية صغرى حرجة تستقطب المتضادات كالهويات والجماعات والايدولوجيات والاقليات والاعراق والثقافات بل بقيت هذه المتضادات عبارة عن سردية كبرى لها سلطة اقوى من سلطة الأعلام وعلى صخرتها تنكسر العقلانية التي هي الاخرى سردية كبرى.
ويتضح القطع أيضا بما جاء به الفصل الخامس من تمحور حول موضوع جديد لا علاقة له بالشعبوية هو العلامات الثقافية المتصورة من خلال الاستقبال الجماهيري لها وكيف تغيرت صيغ هذا الاستقبال عبر الزمن وهو ما عُنيت الدراسات الثقافية به كثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن المسائل التي ناقشها الغذامي مناقشات سريعة ومختزلة الخطابة التي تمثل زمن الشفاهية/ السماعية والجريدة التي تمثل زمن الكتابة/ البصرية بينما تمثل الشاشة التفاعلية الزمنين الشفاهي والكتابي/ السمعي والبصري، وفيها تتجلى أعلى درجات العلاماتية الثقافية.
ويتحول الحديث فجأة عائدا إلى زمن الجاحظ و ثقافة العصا واقناعية الخطابة ومتحولا فجأة أيضا إلى العصر الحديث والحاضر حيث نخبوية الكتاب وميلاد الجريدة وثقافة سماع الراديو ودور وسائل التواصل الاجتماعي في انقراض الكتاب والجريدة اما التلفزيون فاستطاع تحسين موقعه مع هذه الوسائل
وما نراه هو أن أجيال الانترنيت ما زالت تطور نفسها ومع ذلك نجد الكتاب حاضرا وله سوقه الرائج في العقد الثاني من الالفية الثالثة وهو إن تغيرت هيأته من صورته الورقية الى الرقمية فان وسائل التواصل لم تستطع تغييب دور الكتاب أو التقليل من نخبويته.
وهو ما يؤكده الغذامي نفسه تحت مبحث مصير الكتاب ويضرب المثل بكتبه التي تزداد أرقام مبيعاتها الورقية منافسة الرقمية منها.
أما ما رآه الغذامي في ابتكارات الجوائز لاساليب تروج للكتب المرشحة وأن فيها مساهمة في تصعيد سوق الكتاب بالاعتماد على طريقة الموضة، فباعتقادنا هو الخطر الذي يهدد نخبوية الكتب ويجعل القراء يتحولون إلى المواقع الالكترونية باحثين فيها عن كتب اصيلة لا تلعب اساليب الترويج والموضة دورا في تسويقها.
والامر نفسه يقال مع الجرائد التي لن تنهار مع تحولها من الورقية الى الرقمية كما لن يؤثر ذلك التحول في نخبويتها بوصفها سلطة رابعة صانعة للراي العام والسبب النظامية الاخبارية التي تجعلها منافسا قويا لوسائل التواصل الاجتماعي الاخرى التي توسم بالفوضوية الاشهارية والدعائية الإعلانية.
وبانتهاء الفصل الخامس يتوكد للقارئ أن كتاب ( السردية الحرجة العقلانية ام الشعبوية) عبارة عن مقالات ثقافية في موضوعات كان الدكتور الغذامي قد ناقشها في كتبه السابقة التي كان قد ألفها خلال العقدين المنصرمين.
بدليل أننا لا نكاد ان نجد هامشا في الكتاب أعلاه إلا فيه يحيل المؤلف قارئه إلى واحد من كتبه للاستزادة في الموضوع ذاته، واكثرها ذكرا هو كتابه الاول( الخطيئة والتكفير) ويأتي بعده بدرجة ثانية كتابه( الليبرالية الجديدة) أما الكتب الأخرى فتأتي تباعا فمثلا عندما ذكر التمركز المنطقي لدريدا احال إلى( الخطيئة والتكفير) واذا ذكر الهوية والمرأة أحال إلى كتابه( المرأة واللغة) قائلا: ( توسعت في هذا في كتابي المرأة واللغة) وحين تحدث عن مفهومي جوزة الهند والبوتقة الصاهرة، قال في الهامش:( عن هذه المصطلحات ومزيد من الحديث عنها انظر كتابي القبيلة والقبائلية) واذا تحدث عن المضمر النسقي والمماثلة والمغايرة احال الى كتابه( النقد الثقافي) والامر نفسه مع كتابه (الثقافة التلفزيونية)
وإذا حملنا هذا التذكير على محمل الاستزادة التي ينبغي على القارئ ان يتحصلها، فان الحراجة تظل قائمة بالتساؤل لماذا يعيد المؤلف مناقشة مسائل كان قد أفاض القول فيها في كتب مستقلة فضلا عن الانطباع الذي تتركه كثرة الاحالات على القارئ، واجدا في الكتاب خليطا مختزلا غير واف ولا متجانس من الموضوعات الثقافية فكأن الكتاب كشكول يقدم وجبة سريعة لكنها دسمة من الزاد الثقافي غير السريع الهضم.
وعلى الرغم من أن الكتاب موضع الرصد هو نفسه سردية حرجة مخترعة لا عن حاجة، وإنما هي حاجة وليدة اختراع فرض ترتيب الفصول بهذه الصورة المتشعبة وغير المتناسقة. فصار القطع والتحول سببا في جمع موضوعات ثقافية متنوعة تتمثل في : اللاعقلانية والهوية والخوف والشعبوية والعلامات بلا محدد منهجي سوى ثقافة الحرج التي عدّها المؤلف سردية صغرى لكنها صارت كبرى مع الشعبوية وضغط وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.










