TOP

جريدة المدى > عام > مرويات عارف الساعدي

مرويات عارف الساعدي

نشر في: 31 أغسطس, 2021: 11:10 م

أحمد الزبيدي

لا يُذكر اسم عارف الساعدي في الوسط الثقافي إلا وصحبته صفة الشاعر؛ وإن خُفيت أُوّلت ؛ و قرأنا للساعدي الدكتور مقالات وكتبا نقديتين

ولكن ما قبل (زينب) لم نعهده روائيًا ولا ساردًا اللهم إلا ما تضمنته مدوناته الشعرية من حيل سردية يجسد بها تجربته الشعرية..إذن حين يُقبل شاعر على كتابة مغايرة في جنسها ونوعها عما جبلته طينته الإبداعية هذا يعني أن ثمة أمرًا استثنائيًّا دعاه إلى هذه المغامرة والمحاولة البكر. وعندما سألته عن ذلك أجاب بأنها (قصة واقعية) استفزته لما تكتنزه الحكاية من مفارقات عجيبة قد تتجاوز خيالات السارد العراقي الحديث. وما ذكرت هذه المرجعية الخفية على القارئ الكريم إلا لأوضح أن قراءتي ليست نقدية تتكئ على منهج محدد و لا هي شرح لمفاصل الرواية إنما لأنها (استفزتني) فأثارت فيَ فعل البوح مثلما أثارت الحكاية فعل السرد عند الروائي.

الرواية نسوية بامتياز: خطابًا وسردًا وثقافة.. فالشخصيات الذكورية شخصيات وظيفية تكمّل الحياكة السردية وتربط مفاصلها المشهدية ولا شأن لها بالفاعلية السردية المباشرة وعليه تتولى أحيانًا خاصية الفعل المضمر المؤدي إلى ردة الفعل الظاهرة في العمل السردي. وعلى الرغم من أن عتبة الرواية الكبرى اللسانية الدالة على شخصية مفردة أنثوية (زينب) ولكن حين تقرأ العمل تجد أن وظيفتها هي وظيفة (الراوي المشارك) أكثر من كونها بطلة رئيسة في الأحداث وأعتقد أن السبب يكمن في أصل العمل كونها راوية تحدّثت عن حياتها وقصتها المفارقة؛ وتسلسل الرواة والعنعنة هي من جعل الساعدي يمنح (زينب ) وظيفة الراوي الشاهد على مصداقية الأحداث والمسوّغ لفاعلية التخييل السردي.

تتحدث زينب عن أسرة عراقية، متكوّنة من بنتين: زينب وسارة وولد: دانيال.. أمهم (سعاد) هي بطلة الرواية وشخصيتها المركزية التي توقف السرد بموتها فكانت آخر جملة سردية في الرواية أما رب الأسرة (محسن) فقد أُعْلِن عن موته منذ أول سطر سردي حيث أعدم كأي شيوعي في العهد الدكتاتوري.. ولا تخلو صفحة من صفحات الرواية من إحدى الشخصيتين: سعاد وزينب، أما سارة فنصيبها من السرد لا يعدو العدد الرقمي للأسرة ودانيال شغل حيّزًا روائيا وظيفيا يعادل به الكاتب غياب الحضور الفعلي المباشر لـ (محسن) ومستفزّا للفعل المحقق للمفارقة الروائية المتمثلة في الكشف عن أصل (سعاد) اليهودي في سنوات عراقية خلت من اليهود وهم الذين طبعوا في الذاكرة العراقية بالمحتلين والغاصبين والإسرائيليين.. وهذه هي الثيمة المركزية بالعمل والبؤرة السردية المختزلة للخطاب الديني وتحولات الهوية في مسرح غارق بالهوية الدينية المتطرفة ذات التنازع والتصادم السلبيين في مجتمعنا بل المجتمعات العربية كلها والتي تناولتها المدونة السردية العربية بطرق مختلفة وقصص متعددة.

بدأت الرواية بحدث مألوف، إذ كثر تناوله عند الروائيين العراقيين الذين تبدأ أحداثهم على وفق المتن الحكائي أو المبنى الحكائي بزمن ما قبل الاحتلال والنظام السابق ثم تحولات الشخصية ما بعد الاحتلال وتشظي الهوية المركزية بين هويات فرعية متعددة.. بدأت الرواية بالسرد عن أحزان العائلة التي فقدت ربها وجاسها الضيم والعوز والخذلان الاجتماعي والاقتصادي ورافقتها سنوات الحصار التسعيني.. وحتى المقطع الرابع يسير السرد بتراتبية وسكونية مغطاة بحزن الفقد والاسترجاعات المألوفة ولكن في المقطع الخامس انفجرت بؤرة السرد الخفية المتمثلة بأصل سعاد الديني حين اعترفت بخوف كبير لأبنائها بأنها يهودية (شوفوا عيوني أنتم... راح احجيلكم الحقيقة إحنه بالأصل مو مسلمين _ لعد شنووووو؟؟؟؟ إحنه يهود) هذه الصدمة الحوارية على الأبناء خلقت انبثاقًا سرديا كاشفا عن ثنائيات نسقية توزعت بين مفاصل الرواية اللاحقة ال13 مقطعًا إذ كانت سعاد ماقبل المقطع الخامس ذات أسلوب ديني شعبي مهيمن على مجتمعنا أعني الطقوس الدينية الشعبية الشيعية كونها تسكن مدينة كربلاء فالأسلوب العبادي المعلن هو الأسلوب الإسلامي الشيعي وهناك أسلوب مضمر هو الطقس اليهودي المتخبئ بين جدران البيت ثم بعد هجرة العائلة إلى أوربا تحول الأسلوب المضمر الخفي إلى أسلوب معلن والمعلن المسلم إلى أسلوب خفي ولكن هذين الأسلوبين المتضادين لم يتركا في شخصية سعاد كشخصية (مزدوجة)أو (منافقة) لأنها كانت محبة للأسلوبين ويقترنان بفعل ذاتي لا إيديولوجي فالأسلوب الديني الإسلامي مقترن بشخصية خارج نطاق التضييق الديني وهي شخصية الحسين وترادفها أحيانا شخصية العباس ومن ثم فإن طقوسها الإسلامية منطلقة من شخصية حرة ثائرة وليست سلطوية حاكمة كالتي نجدها في سيميائية اسم (محسن) الشيوعي الذي كسب اسمه نتيجة وفاء الأب لنذره إن رزقه الله ولدًا يجعل اسمه كاسم المرجع محسن الحكيم الذي دعا لوالده برزق الولد.. إذن اسم محسن ذو مرجعية دينية وعبادة سعاد ذات مرجعية إنسانية تلوذ بها حين تمر بمحنة أو يخطر على بالها الحزن فتلوذ بالحسين وأخيه العباس حتى أنها قضت آخر يوم لها في العراق في ضريحهما: (زينب تعرف أمها جيدًا فهي حين يشتد حزنها تلجأ إلى إلهها الشيعي) ص 195

إن هذه المفارقة الدينية هي بؤرة العمل والهاجس الاستشرافي الذي عبر عنه الساعدي بقوله: ((الدين يشبه الآباء لا نستطيع أن نختارهم كما لا نستطيع أن نبدلهم..) ص89 وهذه الرؤية قادت الروائي إلى توظيف مفهوم الأخلاق عند نوري جعفر(وما عليك إلا أن تتأكد بأنه لكي تكون صادقًا ومحبًا... فإنك لا تحتاج إلى دين) وهذا المفهوم ا تناولته الفلسفة وعلاقة الأخلاق بالدين فالفضيلة لا تحتاج إلى دين ولكن (إثبات الفضيلة) هو ما يدعو الإنسان إلى البحث عن (أجر) الفضيلة.

يتنازع العمل الروائي صراع الهوية وهيمنة الخطاب الديني السلطوي الذي (استفز) سعادا حين رفض زوج أختها اليهودي أن يزوج ابنته لحبيبها (دانيال) ثم تنبثق هوية أخرى بمرجعية قومية حين انتقلت الأسرة إلى إسرائيل فعادت إلى أوربا بحثا عن هويتها الضائعة.. وهو نفسه الخطاب الذي تمردت عليه زينب حين نزعت حجابها عند مشارف أوربا عطشا للحرية الفكرية و(الجسدية) التي كانت مخبأة باللقاءات الجنسية السرية!

كيف استطاع عارف الساعدي الشاعر أن يتملص من شخصيته الشاعرة ليتحول إلى شخصية ساردة أقول: قد تسربت روحه الشعرية عبر دوال محددة شاعت في نصه الشعري إلى نصه السردي كالدال (تسحل): (سحله سحلا إلى المغاسل) ص 12 (تستدرج ذكريات قديمة وتسحل..) ص 15 وفي شعره (وصباحك تسحله الشمس متعبة) وأرى ثمة تناصا امتصاصيا يتمثل في وظيفة زينب الراوية العليمة المتماثلة مع شخصية زينب المقدسة في وظيفتها الساردة بالقصة الحسينية الكربلائية.. وثمة تسرب لشخصية الروائي المتوزعة بين الشخصيات الذكورية ومنها (عيني من جنت أنت تدرس انكليزي وكومبيوتر جنت أني أدوّر على الأعلم بدرابين النجف)

أما بعد: فرواية زينب وقصتها اختزلت صراع الأديان برؤية إنسانية فردانية و بفضاء محلي تجاوز المألوف الحكائي في الرواية العراقية المعاصرة..

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. Anonymous

    رواية مميزة وناجحة تقنياً، وقد قرأتها وسأقوم بدراسة نقدية حولها، وهذه الدراسة ستكون تخصصية.

يحدث الآن

العراق بلا كهرباء إيرانية: صفر ميغاواط بين التوترات والضغوط الدولية

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وسط خلافات سياسية

إيران تؤكد جاهزيتها الكاملة: كل الخيارات على الطاولة

قرار تربوي يخص امتحانات الطلبة التركمان

العدل تعلن إطلاق خدمة فتح الأضابير إلكترونيا في بغداد والمحافظات

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

مقالات ذات صلة

الطفولة والمكان مرحلة تأسيس جذري في الوعي
عام

الطفولة والمكان مرحلة تأسيس جذري في الوعي

علاء المفرجي الطفولة مصدر مهم للخبرات الإبداعية، فقد أظهرت الدراسات أن التجارب المبكرة في الحياة، سواء كانت سعيدة أو مؤلمة تصبح مواد خام للإبداع الفني والأدبي عند البالغين. هذه التجارب تُخلّف ذكريات عاطفية ملونة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram