ياسين طه حافظ
الرياحُ تهزّ الحديقة غاضبةً
وتطاردُ ما ظل من موسمٍ حلَّ يوماً هنا.
ورقٌ تائهٌ حيثما تدفع الريحُ،
الفضاءات مفتوحةٌ كلها.
وأنا في اللقاء الأخير يدي
تتهيّب ما قد يجيءُ من الغيب
ويجذبها الذهبُ الدافئُ فوق ذراعيكِ ،
موجُ الشذى هاجَهُ الخفْقُ،
يجهلُ أي الجهات يطيرُ وأي الذرى
قطعتُ المسافة محتفلاً بالحرير السماويِّ
حولي استغاثاتُ روحكِ من بهجةٍ،
الصباحُ أضاء في غابةً شائكة.
كان لمعاً بعيداً مضى.
لم نعد نصنعُ حلماً ونحنُ نعيش على
حشَفٍ من جوار المقابر،
ذلك لمعٌ بعيدٌ مضى.
بسلاسلنا نحنُ في الزمن الأسود نمشي
ضحايا أمام الإله،
شهوداً على ما بنا
بانتظار المذابح نقعدُ مثل الحجار الاثافيِّ
في ساعة الغروب .
هو هذا اللقاء الأخيرُ لنا
صنعتْهُ الصواعق أو صنعتهُ الحياة السقيمةُ
أو هو الله والمعجزة.
خارج كل المدارات طارت بعزلتنا
رغبةٌ عاصفة .
أنتِ شاحبةٌ خائفه
لو تعلمتِ نسيانَ هذا الغثاء على الروحِ
لو تتركين مصائرَنا
مثلما يتركُ الشجرُ الباسقُ أوراقَهُ..
لم يكن ما نريدهُ غير القليل لكي نستعيدَ
بعد المخاضةِ أرواحَنا ونرانا طليقَيْن مبتسمَيْن
ليس غيري وغيركِ في الأرض ، كل الحلول سدى.
كل أفكارِنا
وإراداتنا
بردتْ حين دقّت علينا الحقيقةُ أبوابَنا
حينما انسدلت بشعاراتها اللافتات
حينما ماتت القرى .
بقيت للرياحِ وللموت بلْداتُنا المعدمة
والجمالُ وحيداً يجوب الأزقةَ ،
لا حبَّ بعدُ . كل النوافذِ مغلقةٌ،
لن ترى سُلّماً
تسكبُ حزنَ قوافيك منه وتنتظر الآلهة .
امتثلنا الى قدرٍ سيئٍ
وامتثلنا لأنفسنا
(بعض نصرٍ لنا)
إذ حملنا وديعتَنا واستحلنا هنا
حجرَيْن معتنقَيْنِ
مَحَجّاً لمن يعشقون في زمن الموتِ ،
مزاراً لمن يسأمون عالمَهم
يستكينون من وجعٍ ساعةً ثم يرتحلون .
فيا أيها القفر ، تعرفُ تلك الجلاميدَ واقفةً ؟
أيها القفرُ أين اختفت كل تلك الحدائقِ،
حبٌ غريب، أتى ثم غاب.
ظل هذا الترابْ.
ابعدي كل شيء وظلي كما أنتِ في الدهشةِ
ساكنةً .
ولنظل معاً في عراء الزمانِ
معتنقَيْن
شارةَ الله ، وردتَهُ الحجريةَ في هذه القفار
سيكون اللقاءُ طويلاً ، تكون الفضاءاتُ كلها لنا .
ونكونُ عزاءً لمن غادروا الأرضَ جرحى
ومحطاً لمغتربينْ .
لا نريدُ أكاليلَ ، كل القداسات للريحِ ،
نطلبُ ما يطلبُ الشهداءْ
أن يروا آسفين عزلتَنا
أن يروها ، الحقول القديمةَ ، يابسةً حولنا
سنظلُّ هنا
في المقابرِ أو في السماوات نبقى
نواصلُ أحلامنا
حزننا سيظلُ على مدن اللهِ
رائحةُ النفطِ واللحمِ تمتزجان
وأرواحنا تتصارخُ من مشهدٍ للضمائرِ
تطفو على وَحَلِ الأزمنة .
وردةُ الله يابسةٌ في الأصيص
فلا أملٌ بشذى ،
فخذي يا صحارى بقايا الحياةِ
لا صوتَ بعدُ يقولُ كفى
وعيون الذين أحبوا الحياةَ حصى ...










