TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: ما يتيسر من المباهج

قناطر: ما يتيسر من المباهج

نشر في: 9 يناير, 2022: 11:11 م

 طالب عبد العزيز

هذه التي يبتزها المطر، من ساعتين، تحت الشجرة، أطاحت العاصفة بها العام الماضي، الإوزَّة، ذات العينين الواهنتين، والتي اسقط ظلام البارحة ريشها، ينشقُّ قميصُ اللحظة عن حاجتها لي، ومثل سعفةٍ أثقلها طيرٌ كثير، هويتُ بها.. كان خيطُ الماء يتسرب عارما تحت جناحها، والعشب الرطب بارداً، يتمرأى في كنف الظلام على بطنها.. والفجر لما يزل في بادية الليل، هناك في البعيد.. كانت المئذنة نائمةً أيضاً، والسلك الذي يصل المسجد بالناس لا شأن له بصوت أحد.

ليس للديكِة، الاحمرُ القُرمزيُّ هذا، هو رصاصيٌّ وأبيض، وعليه من زهر الباقلاء كثير، وليس للفاختة ذاك الثقب الذليلُ في الحائط، أبداً، هو ثقب حسب. ومثلما يتفرسُّ عصفورٌ عودَ حلفاءٍ لين، يتأمله عشَّاً قادماً، أخذت السلحفاة الطريق الى النهر، وعلى ظهرها طينٌ لم يتزحزحْ منه إلا القليل. في أجمة السعف اليابس يحترقُ شتاءٌ لا أحدَ سواي له، وينصرف عن الموقد كلامٌ هذرٌ، لم أدَّخرهُ ، لذا، أدنيتُ من إبريق الشاي حكاية الإوّز، الممسكِ بنداءِ الضوء، قبل الضوء، ومثل ثغاء قديم، تفتقَ عن ريش الغمام ثانيةً مطرٌ دهمٌ، صارَ يطرطش في الباحة المفتوحة، ثم أنه إقتبلَ ناحيةً، وفتق حائطاً من الطين، فسالت أوديةٌ لم تسأل النهر منصرفاً.

في عافية ما بعد السُّفاد ينفشُ الديكُ ريشهُ، ليس الاحمرُ القرمزيُّ له، ولا الزهر الرصاصي الابيض للباقلاء له، فقد قلب المطر باليتَ الألوان، وظلَّ يعبث ثقيلاً، فأسقط نحيَّ الزبدة من عليائها، حيث كانت، لصق نُحيِّ الزيت والخل، وأوكأ آنية الفخار، بحبالها القِنَّب الثلاثة، لم يمض عام على انتظامها هناك. وكل ما تبرعم تحت شجرة التوت لم يعد يعني أحداً، أنا التحفُ مِدرعة الصُّوفِ وأنصت للمطر، وهو يترك غابة النخل هامدة. كان رهط الإوز قد تفرَّق في الجوار، وفي غامر، عميمٍ من الدفْ، تتركُ القطةُ ظهرها دريئةً، لما يتقلبُ بين فخذيها من مواء، كأنَّ الجمرَ في الموقد لم يخبُ بعد،كأنَّ الغواية في أولها، ومن الشَّمس بان خيطٌ نحيلٌ واحد، لا أكثر.

لم تسقط المركبةُ عمودَ الكهرباءِ حسب، هي أتت بالليل الثاني باكراً، تقولُ مذيعة الراديو، وتشير النخلةُ التي اقتلعتها العاصفة الى ما أسمع، هي تبتسم خلف مكبر الصوت، فتأتي الحروف مبللة.. كان الضوءُ يتحشرجُ في السلك المعدني، الممتد من الباب الى السرير، أحسنت الخادمة أنساقَ حاشيته.. وفيما يُشغل قدح الحساءٍ شاغرَ الطاولة، الذي كان، أفردتُ للأرغفةِ ما فَضُلَ وانتأى منها، كان ساخناً، ألتمستُ له طريقاً الى الفضاءِ الشَّحيح، ومن الملعقة يصدرُ صوت في الجوع، يشبه لحظةً قديمة لم تلبَّ أبداً، لكنني، من ساعة، حيثُ جلستُ صارت الشمس تجيءُ وتنصرف، نصفها على النخل، وبعضها الآخرُ مازال يموء في النافذة، التي أغلقتها الصيفَ الماضي.. ثمةً من لا يتنكرُ لي قرب النهر، كنتُ أخذتُ عنه صنعة المباهج، وعن الريح أخذت ما تيسر من الشتاء ونمت.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram