TOP

جريدة المدى > عام > عرّافة

عرّافة

نشر في: 9 إبريل, 2022: 11:32 م

فليحة حسن

يوم أمس وبعد أن سَمعتْ جارتنا ببؤس حالي، أخذتني الى إحدى العرّافات التي قالتْ إنّها ستخلصني من زوجي مقابل مبلغ من المال، واشترطتْ عليَّ أن آتي لها بسبع حفنات من تراب سبعة قبور مهدمة.

صدّقتها وبعتُ خاتماً ذهبيا ً كان عندي وذهبتُ اليوم الى المقبرة، دخلتُ متمتمه: “بسم الله الرحمن الرحيم” وبشفاه ترتعد خوفاً، قلتها ولولا الموت الذي أحياه كَّلَّ يوم لم ألج هذا المكان المرعب حتى في أوقات النهار.

كنتُ خائفة، بل كدتُ ان أتيبس في جلدي خوفاً، كيف سأمدّ يديّ الى هذا التراب؟ تساءلتُ.

لكنّ الصفعات الدائمة التي أتلّقاها منه كلّ يوم هي التي جعلتني أرضى أن أقوم بما طلبته مني تلك المرأة، قالتْ سأخلّصكِ منه بمجرد أن تأتي لي بتراب من سبعة قبور مهدمة، أجل، بعدها سأجعله يدخل منادياً بطلاقكِ منه، وعتقكِ من عبوديته، تراب القبور وحده سيكون معجزتكِ للخلاص منه، اجلبيه واطمئني، سيترككِ بعدها الى غير رجعة، ثلاث سنوات من الموت تكفي أليس كذلك؟ تشجعي وادخلي المقبرة، إنها الظهيرة ادخلي قبل أن ينتبه لك الآخرون.

قلتُ لها في بادئ الأمر لا أستطيع صدّقيني، فأجابتني كيف لا تستطيعين؟

مَن الذي يستطيع إذن؟ مَن يسعى الى خلاصكِ بدلاً عنكِ؟ وأنتِ الفاقدة لأهلك؟

هيا اتركي عنكِ الجبن جانباً، تشجعي!

قلتُ لنفسي مشجعة: - ادخلي ومدي يديكِ لهذه القبور المهدمة هيا خذي من كلّ واحد حفنة تراب ولنذهب هيا ألم تسمعيها وهي توصيكِ بعدم التأخر؟ هيا أسرعي.

تقدمتُ الى القبور واحداً تلو الآخر وأخذتُ من على ظهر كلَّ قبر حفنة تراب, ووضعتها في كيس من البلاستك الأسود الذي جلبته معي لهذه المهمة وأنا أعدّها واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة

-ماذا تفعلين؛ صاح بي رجل كان يحمل صندوقاً خشبياً صغيراً يبيع فيه خواتم فضية ومسابح وقناني عطر صغيرة، وهو يقترب مني بسرعة كبيرة حاولتُ إخفاء الكيس في حقيبتي وأجبته وأنا أحاول التماسّك.

: - لا شيء، إنّها قبور عائلتي جئتُ لزيارتها اليوم؛

وأخذتُ أسوّي تراب أحد القبور بكفّي، ناظرة الى الأسفل

: - أين أجد مَنْ يبيع البخور وماء الورد؟ سألته بصوت بالكاد يسمع،

-هناك

أشار الرجل بيده الى باب المقبرة، فأسرعتُ وركضتُ الى أحد الباعة الجالسين عند الباب وابتعتُ قنينة ماء ورد وبعض أعواد البخور وعلبة كبريت وعدتُ من جديد لمكاني.

رششتُ ماء الورد على القبور، وغرستُ أعواد البخور في ظهورها المهدمة, وأشعلتها، وجلستُ الى جانب أحدها تحت مراقبة الرجل الذي لم يتركني إلا حين سمع أحدهم ينادي عليه، فتمسكتُ برباطة جأشي ومددتُ يدي الى القبر السابع، وبسرعة كبيرة غرفتُ منه حفنة تراب، وأسرعتُ بوضعها في الكيس ولففته ووضعته في حقيبتي وخرجتُ راكضة، وأنا أحاول التخلص من التراب العالق بعباءتي، وبسرعة أيضاً أشرتُ الى سيارة أجرة كانت مارة من باب المقبرة استوقفتها وصعدتُ اليها بعد مداولة بسيطة بيني وبين سائقها أخبرته فيها عن المكان الذي أقصده والأجرة التي سأدفعها له.

بعد مدة قصيرة وصلت السيارة الى بيت العرافة، نزلتُ مسرعة وطرقتُ الباب ففتحته بنت صغيرة، دخلتُ الى البيت وأسرعتُ الى حنفية ماء كانت موجودة في مدخل الدار فتحتها وغسلتُ وجهي، فخرجتْ العرافة متبرمة وصاحتْ بي:

- لماذا ادخلته معك؟ لماذا لم تتركيه عند باب البيت؟

- لم تخبريني بذلك! أجبتها وأنا مضطربة، أحاول مسح الماء العالق بعباءتي

- أعطني إياه وادخلي الغرفة، قالتها بغضب واضح في صوتها

أخذتْ كيس التراب مني واختفتْ، بينما دخلتُ أنا الى الغرفة التي اشارتْ لي علّيها وبقيتُ أنظر الى ما هو معلّق فيها من أشياء تنتمي الى الخوف وعوالمه.

بعد مدة ليست طويلة رجعتْ لتقول:

- إذا خرجتِ ستجدين مكنسة قش ارفعيها ستجدين التراب الذي أحضرته تحتها مصروراً بقطعة قماش خذيه وإقرأي عليه ما في هذه الورقة من كلمات سبع مرات وأنتِ تفرقين بأصابعكِ بين ذراته، ثم اذهبي وسيري خلف أيما جنازة وذري جزء من هذا التراب وراءها وأنتِ تقولين:” اللهم، مثلما فرقتَ بين صاحب هذه الجنازة وأهله فرق بيني وبين فلان ابن فلانة” واذكري اسم زوجك واسم أمه، أعيدي ذلك ثلاث مرات. أما الجزء المتبقي من التراب فرشيه على عتبة بيتكِ، حينها لن يقترب من البيت الذي تعيشين به أبداً.

هيا اذهبي، ستجدين جنائز كثيرة منتظرة عند باب الولي، لا تخافي أبداً فقد دفنتُ لزوجكِ أثراً بين سبعة قبور، سيجعلهُ ذلك كارهاً لكِ وستخلصين من عذابه اليومي، صدقيني!

اخذتُ الورقة من يدها وأعطيتها النقود وخرجتُ لأجد المكنسة على الحال الذي وصفته لي مددتُ يدي إليها وأخرجتُ صرّة التراب من تحتها، وأعدتُ الصّرة الى حقيبتي وأسرعتُ الى سيارة أجرة ثانية استوقفتها وطلبتُ من سائقها أن يوصلني الى قبر الولي ففعلَ.

لم أؤدِ مراسيم الزيارة لقبر الولي هذا اليوم كما هو معتاد في كلّ مرة آتي بها لزيارته, واكتفيتُ بالسلام عليه من بعيد، بعدها فتحتُ حقيبتي وأخرجتُ الورقة التي دسّتها في يدي العرافة وجلستُ في إحدى الزوايا وشرعتُ في القراءة.

شعرتُ بتعب شديد ينتاب جسدي الذي بدا يتصبب عرقاً من حرارة ظهيرة قائضة وحين تكاثرتْ الجنائز التي جاء أهلها للطواف بها حول القبر قبل دفنها, اخترتُ جنازة واحدة كَثُرَ مشيّعوها وسرتُ خلفها، ودون أن ينتبه إليَّ المشيعون أخذتُ القليل من ذلك التراب وهمستُ:” اللهم مثلما فرقتَ بين صاحب هذه الجنازة وأهله فرق بيني وبين صلاح بن حليمة «.

أعدتُ قول ذلك ثلاث مرات ثم ذريتُ التراب خلف الجنازة وعدتُ راجعة.

قبل دخولي الى البيت رششّتُ التراب المتبقي فوق عتبة دارنا بسرعة محاولة ان لا أجلب انتباه المارة اليَّ.

بعدها فتحتُ الباب، وأسرعتُ راكضة الى الحمام، فتحتُ الحنفية المعلقة في سقفه وجلستُ تحتها دون أن أخلع عباءتي.

صرّتُ أراقب التراب وهو يختلط مع الماء و ينساب الى البالوعة فأحسستُ بأني أتخلّص الآن من أجساد موتى كنتُ أحملهم على كاهلي طيلة نهار كامل فانتابني قليل من الهدوء.

بعد برهة قصيرة ارتسمتْ على شفاهي ابتسامة زهو واستطالتْ لتتحوّل الى ضحكة فرح تكاد أن تخرج لتعّج بالمكان كلّه وتكّشفَ سرّي، فتمالكتُ نفسي، أفرغتُ الحقيبة من محتوياتها وأخذتُ أدعكها بالماء والصابون وأنا منتشيه، أغمضتُ عينيَّ وتخيّلتني أقف على ظهر سحابة تحلّق بيَّ بعيداً بعيدا، لكن قدماي تعثرتا وسقطتُ على أرض الحمام حين سمعتُ طرقه المريع على الباب وصوته الأجش وهو يصرخ : - لماذا تتأخرين دوماً ؟ هيا افتحي الباب!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

مقالات ذات صلة

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟
عام

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

ناصر طه 1-2 قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram