TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مرساة: خطوات الثّعلب القديمة

مرساة: خطوات الثّعلب القديمة

نشر في: 17 مايو, 2022: 11:10 م

 حيدر المحسن

(1)

بعد القراءة الأولى للقصة، تقوم الذاكرة بتخزين جملة أو مشهد قصصيّ، وتؤدي الجملة والمشهد عمل مفتاح يفكّ شفرة النصّ إذا ما حاولنا النفاذ إليه ثانية. في “المئذنة”، القصة الأولى في المجموعة، يصف الكاتب غرفة المرأة في المبغى بأنها تشبه «باطن حبة عنب سوداء».

بالنّسبة إليّ، وبعد مرور أكثر من عقد على قراءتي الأولى، قام هذا الوصف بدور المفتاح عندما شرعت في دراسة «المئذنة» في الوقت الحاضر. ثم تبيّن لي أن جميع الاستعارات التي جاء بها المؤلف تنتمي إلى هذا النوع من الوصف، فالسرداب الذي تعيش فيه المرأة مع زوجها يشبه «قعر إبريق»، السرير منخفض ضيق “كعلبة ثقاب”، وعندما تمشي المرأة في زحام السوق فهي «إصبع بامياء محترق»، وإصبع ابنتها (حسنة) ذات السبع سنين “شوكة بريّة”، ورجلاها مصنوعتان من طين يابس، شعرها الذي يشبه أغصانا ميتة تعلق به فراشة من النايلون مثل “قملة خضراء ذات أرجل متوازية». إنها تشبيهات تبتعد كثيرا عن الاستعارات المنمّقة المزخرفة التي تخضع إلى قواعد البلاغة المعروفة، كما أنها ليست من كلام الشعر، فليس ثمة انزياح لغويّ، ولا عاطفة ظاهرة أو باطنة، ولم نعتد نحن معشر القرّاء هذا النوع من الوصف، سواء في القصص المكتوبة بالعربية أو المترجمة إلينا من لغات أخرى. استعارات محمد خضير في قصصه ليست نثرية ولا شعرية. فما هي إذن؟

يعمد الفنانون التّجريديّون إلى تحريف وتشويه الواقع من أجل الحصول على تراكيب غير طبيعيّة تبهر البصر أكثر منها حين تُرسم وفقا لأشكالها في الواقع. ويقوم الرسّام التّجريدي كذلك بالتعبير عن الأشياء بواسطة رموزها، إذ أن رمز الشّيء هو صورته داخل الذهن، وهو شكله معبّرا عنه بواسطة الفن، بطريقة أكثر حيوية. واستقى هذا الكشف أشهر الفنانين التّجريدين -بيكاسو- من دراسته لرسوم القبائل الأفريقية البدائيّة، حيث يبدو الحيوان والنّبات وغيرهما من المرئيات بهيئة خيالات منعكسة على جدران الكهوف، فالأسد يتحوّل إلى مجموعة من الخطوط والألوان لا علاقة لها بشكله في الطبيعة، وكذلك الغزال والسهم ووجه المرأة. الإنسان البدائي -أو الهمجي بتعبير عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس- كان يفكّر من خلال الرموز، وهي جذور ما سوف يتطوّر بعد زمن طويل ويصير حروفَ الكتابة، وكان مبتكر التشبيهات في «المملكة السوداء» يسير على خطى الاثنين، الإنسان البدائي والفنان التجريدي، وبلغ الحال به أنه لا يكتفي بجعل الشخصيات في القصة بدائية في كينونتها، بل أحاطها بأوصاف أخذت أشكال رموز همجية أو بدائية، من أجل أن تكون حقيقية أكثر. فهو يصف المرأة البغيّ، وهي راقدة في سريرها بأنها “ملقاة في برية تنتمي لعصر سحيق”، وجاءت نعوتها في القصة من ذهنٍ ينتمي في تفكيره إلى تلك العصور السحيقة. إن إمعان النظر في رسم المرأتين؛ البغي، والأم الكبيرة -صاحبة المبغى-، يعطينا فكرة كاملة عن الوصف التجريدي الذي يقوم على الرمز، والذي يُحسب إلى محمد خضير ابتكاره لأنه لم يسبقه فيه أحد.

تقول القصة عن المرأة بأنها تشبه “جذع شجرة مثمر بتفاحات ماسية كثيرة”، بينما تصف العجوز بأنها “سوداء داكنة كما لو صنعت من لحاء شجرة معمرة تتكدس بانفجار محموم”. التصوير هنا تجريديّ في جوهره. وللمرأة “عينان ماسيتان كبيضتي لقلق”، ويدعو الكاتب العجوز ب”كتلة اللحاء”، ويصف عينيها بأن لهما “لون الإسمنت”.

إن القصة الحديثة تتشكّل فنيا بواسطة الأوصاف المستعملة، ويمكننا عدّ هذه المقاربة أيسر طريقة لفحص أعمال القصّاصين، ويستطيع القارئ اختيار صفحة لا على التّعيين من أيّ كتاب سرديّ، وعن طريق فحص استعارات المؤلف، يمكننا إطلاق حكم نهائيّ على الجهد المبذول في تأليفه.

(يتبع...)

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram