TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مرساة: شراشف بيضاء

مرساة: شراشف بيضاء

نشر في: 6 سبتمبر, 2022: 11:18 م

 حيدر المحسن

كانت الشّاعرة (إيتيل عدنان) في رحلة وسفر طويل بين المدن، وتبعث من كل مكان رسائل إلى الصِّحافي (فوّاز)، ثم جمعتها في كتاب يحمل عنوان “عن مدن ونساء. رسائل إلى فوّاز”. (إيتيل عدنان) شاعرة كونية إذا صحّ التعبير، فهي مولودة في بيروت من أب سوريّ وأمّ يونانية، جنسيتها أمريكية وتسكن باريس، وتكتب الشّعر والرواية باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وهي رسّامة بالإضافة إلى ذلك، وأقامت معارض عديدة ولها أسلوبها الخاصّ.

وهي في إسبانيا، وعند ضواحي مدينة (ايكس) الريفية كتبت الشاعرة: «يمكن أن يُقال إن هذا البلد برمّته ما بعد ظهيرة طويلة ومديدة”. كان يُقام في المدينة معرض للرسام (سيزان) خاصّ بجبل (سانت فيكتوار)، لوحات ومائيات تصوّر الجبل وحده. إن النور الساطع في هذه البقعة من الكون لا يرحم: «أعتقد أن هذا ما دفع (سيزان) إلى السكن هنا، لأن هذا النور سوف يسمح له بالمضيّ في طريقه إلى النهاية”.

في السنة الماضية اندلع حريق هائل التهمت نيرانه جميع أشجار التلال الواقعة عند أسفل الجبل، تاركة تربة سوداء مخيفة. اجتمع الاثنان في استقبال الشاعرة في (ايكس): النور والنار: «ثمة إحساس بالنار، إحساس بآثار الحريق في قيظ تموز، يغلّف هذا الجبل الذي أضحى صخرة عملاقة موحّدة». إن فكرة الخصوبة مرتبطة بصورة وثيقة بالأنوثة، وعندما يصيب الطبيعةَ الجفافُ والحريق يقلّ حجمُ الأنوثة وطعمها في الكون. الأرض في البَرّ الفسيح والمفتوح إلى الجهات أنثى، وفي المدينة ذكر، هكذا تفكّر الشاعرة، وتأتي بالآية القرآنية «نساؤكم حرث لكم» دليلا. ثم تفتش في الأساطير بحثا عن دليل آخر:»في ملحمة (كلكامش) تطلق (عشتار) العنان لغضبها حين يقتل (كلكامش) إلهَ غابات لبنان. وفي النهاية يموت الملك السومريّ، وقد حُرم من الخلود”. كما لو أن للطبيعة إلهًا هو الأقوى، هو إله الأنوثة الذي أخذ ثأره من الملك لأنه ارتكب هذه الجريمة. وتتساءل الشّاعرة في الأخير “ما الذي نخسره حين نخسر غاباتنا وأساطيرنا؟ أسطورة الأنوثة تتلاشى”.

في نهاية زيارتها إلى إسبانيا تسمع الشاعرة من الراديو أنّ العراق احتلّ الكويت، وتكتب إلى (فوّاز): «ليس هذا نذير خير. سوف أدع تأملاتي لوقت لاحق”.

*

«أقول لنفسي إن السفر مشابه جدا للوقوع في الغرام»، تقول الشاعرة، وفي كانون الثاني من ذلك العام، 1990، تصل إلى ألمانيا. في مطار فرانكفورت كانت الطائرات الحربية الأمريكية مرصوفة وجاهزة للانضمام إلى بقية الأسطول الجوّي المتوجّه إلى الخليج، وتكتب (إيتيل): «يا لها من طريقة للقاء أرض جديدة». في مدينة برلين كان المشهد مختلفا تماما، وكان الناس يعبّرون عن رفضهم للحرب بنشرِ شراشفَ بيضاءَ كبيرةٍ على الشّرفات وخارج النوافذ: “وجدتُ عزاء في هذه الأعلام البيضاء الهشّة لكن الصاعقة، تحاول أن تتحدث من بعيد إلى الشعب العراقي، قبل أن تنهمر عليه جحيم القنابل، تحاول أن تقول للبعض منه إن عددا قليلا من الناس هنا عقدوا صداقة إنسانية معهم، متحدّية كل القوى الكبرى”. توقفت بعد قراءة هذه الرسالة عند كلمتين اثنتين هما: “البعض، وقليلا”. وأتابع مع الشاعرة: “أكثر ما أثار اشمئزازي كان سماع طيّار أمريكي يقارن مشهد بغداد وهي تحترق بشجرة ميلاد!”.

وأعود بذاكرتي إلى حرب الخليج الثالثة، وكنت التقيتُ مع جندي أمريكي من القوات التي احتلّت العراق، سألته إن كان يعرف وليام فولكنر، وأجابني هاتفا: “أنا أعمل في فرقة تُلقي قنابل كيمياوية. أنا أُجيد قتلَ الناس!”. ما الذي يتبقى من الأنوثة في الأرض التي تحرثها قنابل النابالم والغازات القاتلة؟ لو عاش سيزان في عراق ما بعد الحروب الثلاثة فأيّ نور سوف يواجه؟ وأختم المقال مع (إيتيل)، وكانت تقصّ في رسالتها كيف أن فريقا عراقيا للتنقيب اكتشف عشية الهجوم الأمريكي حجرةً تحتوي على مكتبة (سيبار) البابلية، وفيها قصّة الطوفان الذي أبقى على سلف لكلكامش. تتساءل الشاعرة: “وهل سيدمّرُ هذه المكتبة الأمريكان؟ إن قلوبنا مثقلة بالأسى على العراق”.

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram