TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: صورة البصرة في الحرب

قناطر: صورة البصرة في الحرب

نشر في: 4 أكتوبر, 2022: 11:28 م

طالب عبد العزيز

أسفر وقوع البصرة في جبهة الحرب مع إيران طوال عقد الثمانينات عن خراب شامل، ما زالت المدينة تعاني منه، وتئن تحت سطوته الى اليوم، فقد أخرجتها الحرب من كونها مدينة زراعية، وحاضرة سكنية، ووجهة سياحية وغير ذلك، الى مدينة تقع الكثير من أحيائها خارج مواصفات الحياة التقليدية، بسبب بيئتها الملوثة بالادخنة والغازات النفطية، وما تعاني منه من سوء في الخدمات والصحة والتعليم والأمن. ولم تكن السلطات المتعاقبة على إدارتها منذ انتهاء الحرب الى اليوم لتفكّر جادة بإنتشالها مما وقعت ضحيته وعانت منه.

معلوم أنَّ الادارات المركزية المستعمِرة هي السبب الاول في خراب المدن، فهي تتسلم خِراجَ المدن تلك، وتنفقه على حروبها ومستعمراتِها، وهذا ما عانت منه البصرة بالذات أيام حكم العثمانيين وبشكل واضح، لكنَّ المدن تخرّب أيضاً بالادارات الوطنية الغبيّة، وتنحدر في أكثر من موطن وزمان، قد يكون أهونها سرقة خِراجها، والعبث بمالها العام، وتخريب بينتها التحتية، ألا وهو تمزيق صورتها المعروفة في التاريخ، وطمس هويتها الثقافية والفكرية والعلمية، وهذا ما عانت البصرة منه، في فترة حكم النظام السابق، وتعاني منه اليوم..

في الحرب مع إيران عاني الجندي البصري من الصورة السيئة عن المدينة، التي سوّق لها النظام السابق، عبر ماكنته الاعلامية، وفي التلفزيون العراقي بخاصة(القناة الرسمية الوحيدة) ببث أغاني الفرق الشعبية الغنائية، أو الفرقة التي أسسها النظام، كواحدة من رافعات معنوية الجيش العراقي في الحرب، والتي صادف أنْ كان غالبية أعضائها من الراقصين والمغنين والمنشدين السود والسمر، من النساء والرجال، حتى بات واحدنا يخجل من نفسه أمام جنود المحافظات الاخرى، كلما اجتمعنا على تلفزيون الحانوت، وأطلت الفرقة بإحدى أغنياتها الراقصة على انغام الخشابة، فنحن في نظر جميع الجنود إنما ننحدر من الصورة تلك، وهكذا كنا ضمن اطار الصورة الدونية عند غالبية الضباط، الذين استجابوا للصورة الراقصة، بوصفها هوية نهائية للمدينة.

كانت الجيوش المنتصرة تبيح لجنودها المدن التي تقع تحت سيطرتها، وهذا ما كانت تفعله الجيوش عبر التاريخ. ضمن المنطوق هذا كانت سلطة النظام لا تحتجز الجندي الداخل الى بيوت الدعارة، في شارع بشار، الذي يقع وسط المدينة، أو الذاهب الى حي الطرب، على طريق البصرة – سفوان، كذلك لم تكن لتغلق البارات والملاهي، الكثيرة في شارع الوطني، وبذلك كان الضباط والجنود، الذين تسنح لهم فرصة التجوال في المدينة يتمتعون بلحظات التفريغ في الاماكن تلك، فضلاً عن عدم احترازهم من التحرش بنساء المدينة عند تجوالهم في أسواقها، أو وقوفهم وامام ابواب مدارس البنات فيها، كل ذلك كان يتم تحت أعين النظام ذاته، فقد كانت البصرة مدينة مستباحة عند هؤلاء ضمن التصور التاريخي، لا بمعنى وجودها كمدينة تعرضت لغزو أجنبي، ولجيش فاتح منتصر إنما في تمكين الجنود من الاستمرار بالحرب، وإن كان الامر لا يخرج عن الاساءة للمدينة وإذلال سكانها.

بعد انفتاح العراقيين على السفر إثر سقوط النظام وامكانية تواجدهم مجتمعين في رحلة سياحية، أو زيارة دينية كثيرا ما كان البصريون والبصريات من غير السود والسمر يسألون عن حقيقة كونهم بصريين أم لا؟ أمّا من كان منهم أشقر الشعر أو أبيضَ، شابته حمرةٌ فهذا من عجائب وغرائب التكوين المجتمعي عند هؤلاء. قد يرى البعض في الصورة هذه مبالغة ما، لكنها لا تخرج عن الحقيقة، وليس أغرب منها اليوم إلا خروج المدينة عن كونها منبت النخل والانهار الالف، والقبلة المدنية، والحاضرة الثقافية، ودار سكنى الاثنيات المختلفة، وموئل الزهد والاعتزال والتصوف عبر التاريخ. المدينة التي عرفت بالتسامح والطيبة هناك من يسعى الى تمزيق هويتها عبر جعلها مدينة أحادية الدين والمذهب، وبئراً كبيراً للنفط، يتصارع حوله أصحاب النفوذ، وهي أكبر منتج لصراعات العشائر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram