ثامر الهيمص
تطورت القبائلية منذ الفتح الاسلامي وما قبله من هجرات القبائل الكردية قبل 2000سنة, حسب طبيعة دورها اولا , لتتمأسس اقتصاديا من خلال المرحلة الاقطاعية ’ ولذلك كان وما زال دورها في غالب الانظمة الريعية واضحا كدور اجتماعي رغم انحسار دورها كفاعل اقتصادي بعد صدور قوانين الاصلاح الزراعي , ليجري تدجين بعضها كزبائن للعملية السياسية .
منذ صدور قانون التسوية عام 1932 المرفود بقانون دعاوى العشائر , لحين الغائه بعد 1958 وصدور قانون رقم 30 في حينها وصولا لعام 1970 وتقليص الملكية الى 300 دونم في المساحات المروية سيحا وبالواسطة و 600 للاراضي الديمية .
وهكذا انتظمت القبائل في تراتبيات فرضتها المكانة والقوة والعلاقة بالسلطة ورابطة الدم, لتصب متدرجة من الفخذ الى الامارة , فالامارة :اتحاد من قبائل عدة اما من عبر علاقات زبائنية او بسبب الحاجة الى تحالفات عسكرية وسياسية . اما القبيلة: تكمن اهميتها في عديد من رجالها الكبير ينتمون اليها . تختلف عن العشيرة في ان رئيس القبيلة يمتلك سلطة على رؤساء العشائر وانه يمثلهم لدى الحكومة . اما العشيرة : بنيان من بيوت وافخاذعدة . والفخذ: قسم فرعي من القبيلة يتألف من بيوت عدة تربطها رابطة الدم . (د. وليد خدوري /العشائر والجذور الاجتماعيه للسياسات العراقيه المعاصره /رسالة دكتوراه قدمت لجامعة هوبكنز. 1970 /ص108 ترجمة غانم بيبي ).
وبعد تقلص دور القبائل مابعد قوانين الاصلاح الزراعي والغاء قانون دعاوي العشائر , ليعود بعد الانتفاضة في 1991 رغم بقاء القانونين المذكورين في الاصلاح الزراعي وقانون دعاوى العشائر , ليعود النظام القبائلي اعزلا جاهزا للزبائنية السياسية , من خلال الوجاهه بنظام ترتيبات ودرجات الف وباء , والان لدينا لجنة العشائر في البرلمان وجداول التصنيف يقال 280 شيخ قبيلة , وهذا المركز التشريعي والتنفيذي غير الاقتصادي لم يجد امامة غير الزبائنية المسيسة . كونهم اي شيوخ القبائل ليس لديهم قاعدة اقتصادية كرجال الاعمال والتجار او غيرهم من اطراف القطاع الخاص الفاعلين . كما ان الغاء الاصلاح الزراعي واعادة قانون دعاوي العشائر امرا غير وارد .
اضافة لتقلص الريف العراقي ليصبح ابناء العشائر في المدن اكثر من سكان الريف بسبب ملف المياه وغياب المشاريع العصرية للزراعة ومعامل تصنيع منتجاتها والاسباب معروفة لدى المسببين والمستفيدين هذا العوق والشلل , كما تعكسه مشكلة العشوائيات وحسب اخر احصائية قبل اربع سنوات بلغت 4000 عشوائية حصة بغداد اي حصة الاسد 1200, ولا نعلم الان عددها في ظل الثورة الديمغرافية . فلقد كانت المدن الرئيسة تحصل على نسبة عالية من مجموع المهاجرين الداخلين الى المحافظة اذ وصلت نسبتهم في بغداد حوالي 91% . ( د. رياض ابراهيم السعدي /الهجره الداخليه للسكان في العراق /من 1947 – 1965 / رسالة دكتوراه / جامعة بغداد ط/1 / 1976/ ص313) . اذا السبب الاساس لهذا التشوه الاقتصادي والاجتماعي تكرس سياسيا بزبائنية متناغمة مع عناوين حقيقية من خلال قاعدة احزاب تستمد نفوذها منه لتشكل ظاغطا سياسيا حقيقيا يوميا ، وليس مجرد وجاهة تمتد من البرلمان بلجنته العشائرية التي لا يسع احد تحديد دورها الفاعل , في ظل انفلات السلاح غير الرسمي المتمثل ب 7ملايين قطعة سلاح من انواعه الثلاثه ( ثقيل خفيف متوسط ) , اضافة لغياب سلطة القانون بسببه كما يتجسد خصوصا في المحافظات الحدودية من تهريب بكل تجلياته وصولا للمخدرات , بفضل زبائنيته للفاعل السياسي , مما اجهض الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات والاستثمار عموما , لنحصد بطالة وعشوائيات لاعادة انتاج الرثاثة وتفاهة المعالجات اللجنوية .
هذا التردي يتوسع ويتمأسس بشبكات تتجذر مع الايام , لتصبح حاجزا صد امام التنمية المستدامة في الزراعة والصناعة ’ وبسبب التجارة الحرة المؤدلجة قانونيا والمرتكزة على زبائنية غالبها بطابع عشائري ومغطاة مذهبيا وقوميا , وهذا الف باء تدمير التنمية الوطنية .
وسيد الموقف لمثل هذه الحاله اي سداها ولحمتها (الفساد) , ولكن كان المنتج الثانوي المصاحب للفساد و الافساد هو انه اثبت ان الطائفية والعنصرية مجرد واجهات ولذلك لم تعد فاعلة حيث الفساد عابر للمذاهب والقوميات . انها فضيلة الفساد اذ ابدل الهوية الفرعية بهوية الزبائنية ذات الجذر العشائري احيانا وعلى حساب قيم النخوة والبخت والمواطنه والكرم والخلق الكريم, التي تحاول الزبائنية تدميرها برثاثة بالغة من خلال اهزوجة تجسدها (حق ما ننطي وحقنه نريده).
في هذا السياق فرض الواقع نفسه رغم كل عوامل الضدية , اذ نسمع مثلا عن ما تقوم به بعض ادارات العتبات المقدسة من مشاريع زراعية وصناعية وتربوية وصحية ناجحة, فلماذا لا تندفع عشائرنا وقبائلنا كمؤسسات لها مرجعيات يمكن ان تلعب دورا مؤسسا لاقامة مشاريع في الاراضي الصالحة للزراعة , بدل من أخذ خاوات من الشركات الاجنبية والعراقية , وبعض هذه المشاريع نجحت سيما النفطية رغم الضغط الذي مارسته العشائر المنفلتة مع سلاحها نظرا لهيمنة البطالة في الريف وما امامهم سوى خيار الهجرة او ادمان الابتزاز .
والبداية لغرض حصر الموضوع تكون في الزراعة لان اغلب سكان العشوائيات كمرحلة وجسم فاعل اجتماعبا وسياسيا هم مهاجرون من الريف , والريف مسكون بملف قذر هو ملف المياه الذي لم يستفز الفاعلين بل يعزز التهريب وردم الحدود , لنقول بتلاشي دور الهويات الفرعية المتطرفة ونزع اسنانها . وليخرس زعيق المهوال القائل ( عالو بيك يل منك تجي العيله ) كناية عن ازدراء شرس رث .
فالثورة الصناعية التي قامت في القرن الثامن عشر في انكلترأ لم يكتب لها النجاح لو لم تسبقها وتمهد لها ثورة زراعية . لذلك تكون البدايه من الزراعة وكادرها بادارة وحسب مايلي: اولا ان يتقدم رئيس القبيلة درجة (أ ) بطلب تأسيس شركة زراعية في الريف الذي انحدر منه ويكون مجلس ادارتها هم المساهمون الكبار والعمالة من فقراء الريف وحسب الجدوى والاستحقاق الموضوعي . ثانيا تمنح الشركة القرض المناسب ,للمشروع اذا كان نباتيا او حيوانيا اوصناعيا زراعيا او سياحيا , وبعد التاسيس يشمل بالبذور والاسمدة المدعومة والاليات . هذا اجمالا . ثالثا من الممكن ان يكون الجميع اصحاب اسهم من خلال بيع اسلحتهم الثقيلة والمتوسطة الى الحكومة باسعار معقولة .
فمثلا الان معامل معجون متوقفة اليس مناسبا ان يقام معمل لكل محافظة تشتهر بزراعة الطماطة او زيت الزيتون والذره وجميع النباتات الزيتيه خصوصا حول المصانع اوهياكلها مثل سكر ميسان والموصل , ولا يفوتنا انه كثيرا من المحافظات ممكن ان تزرع على الابار او المياه المحلات في البصرة كما نجحت دول الخليج . ولدينا مثلا الانبار كنموذج للابار لم تستغل ’ كما انها جدا مناسبه عموما لزراعة الرش والتنقيط الحديثة بجدواها وهكذا الكوت والنجف وغيرها من محافظاتنا .
بذلك تصبح اقامة مشاريع سكنية امرا تلقائيا بمساره الاعتيادي نحو الهجرة المعاكسة كثمار للتنمية المستدامة في الريف وحسب الموطن الاول , كما حصل في تجربة رائدة في ناحية الشوملي في محافظة بابل لمواجهة عشوائيات الاقضية والنواحي , وكل ذاك وهذا سيكون للشركة المستحدثة جسما فاعلا استثماريا ’ يفقد شيخ القبيلة الفاشل او الرافض مركزه الاجتماعي لتغلق حتى الزبائنية دكاكينها , ليصبح النائب صاحب مشروع ممثلا شرعيا لهم وليس مجرد نشط في ختام الاربع سنوات او مروجا لمشاريع سياسية .
وهذه الرؤى يمكن تدعمها المرجعيات الدينية او دواوين الاوقاف او الجمعيات الخيرية المحلية والدولية , بل وحتى تدخل سوق الاوراق المالية .وتدخل معهم بشراكات عابرة لحدود المحافظات لاعتبارات جدواها الاقتصادية والامنية المعزز الحقيقي غير السياسي للوحدة الوطنية المستهدفة . اليس ممكنا ان تكون الاحلام واقعا كأي حلم كبير نافذ ؟










