TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > يا زمان الدبس!

يا زمان الدبس!

نشر في: 19 نوفمبر, 2012: 08:00 م

مع قدوم فصل الشتاء يزداد إقبال العراقيين على الدبس ، فوجوده في قدر الشلغم يمنحه النكهة والحلاوة ، وبخلطه مع الراشي يوفر وجبة غذائية عالية السعرات يفضلها الصغار والكبار والباحثون عن  مآرب أخرى.
يقال إن صناعة الدبس قديمة جدا وربما تمتد إلى العصر السومري، وكان يقدم على شكل قرابين للآلهة من الفقراء والأثرياء على حد سواء ، لنيل مغفرتها وعطفها ورعاية الفرد وحفظه من الكوارث. وبقدر كمية الدبس  يبذل الرب السومري كل طاقته وجهوده لتلبية مطالب المعبود بالحصول على زوجة  أو التوفيق برحلة الصيد ، والانتصار على عدو شرير.  وجود الدبس أو التمر في المعابد جعله عاملا مهما في توطيد العلاقة بين الرعية ورجال الدين ، ونعني بهم الوسطاء بين الرب وبقية العباد.
علاقة الدبس برجال الدين  تتلخص في قصة "الملا دبس"  وطريقته العملية وأسلوبه الفريد في التعامل والتأثير، فيوم وصل إلى القرية احد رجال الدين طلب منه ملا  القرية أن يكتب كلمة "حيّة"، فكتبها لكن الملا  رسم الحيّة ، وعند عرض النموذجين توجهت الأنظار إلى رسم الحية ، بوصفها حقيقية .أما الكلمة المكتوبة فكانت  سببا في طرد رجل الدين الذي كان يجيد القراءة والكتابة ، فغادر  القرية إلى جهة  مجهولة خشية اتهامه بالدجل والضحك على عقول الناس .
حيّة ملا دبس على الرغم من مرور زمن طويل ظلت محافظة على رسوخها وحضورها  في عقول حتى المتعلمين الخاضعين لأوهام روج لها الملا دبس وأمثاله. والمسألة لا تتعلق  بالجانب الديني فحسب بل بعملية غسل دماغ  لشرائح واسعة من المجتمع ، تحركها جهات بدوافع الحصول على الولاء والانتماء ثم تسخيرها لتحقيق غايات تخلو من أية  أهداف نبيلة ، فالجهل في بعض الأحيان يكون خير سلاح لحماية  السلطة وقيادة شعب يرى  في تناول الدبس  خير وسيلة لتحقيق إرادته في إرضاء الآلهة.
توصف العلاقة المتينة بين الأشخاص بأنها "دهن ودبس"،  وأحيانا ينسحب الوصف على  علاقة دولة بجيرانها أو بمحيطها الإقليمي ، وكذلك بين القوى السياسية المحلية المشاركة في السلطة.  وفي الحالة العراقية  لم يدخل الدبس بعد في المشهد السياسي لأن  القرار الحكومي  أصبح بيد شخص واحد لا يختلف عن ملا دبس في التعامل مع الخصوم والشركاء ،  فهو الوحيد القادر على" رسم الحيّة " ، وقاعدته الشعبية على قناعة تامة وأكيدة بأن  "حية  الملا " مقدسة ومن  يحاول النيل منها سيواجه عواقب وخيمة.
 من ينكر تأثير الدبس في الحياة السياسية يجهل أسباب استمرار الأزمة الراهنة ،  والأطراف التي تؤكد انعدام الثقة بين الفرقاء هي الأخرى تتناسى دور الدبس في تجاوز الأزمة. والقضية ليست معقدة ،فبدلا من تبادل الاتهامات واستمرار الشد والجذب  يجب أن يبادر مجلس النواب إلى توفير الدهن الحر الخالص لغرض تناوله  مع الدبس من نوع (AA) لتوطيد العلاقة بين الكتل النيابية والأطراف المشاركة في الحكومة، ومن المناسب أن يكون قدر الشلغم حاضرا، وفي أمسية شتائية يمكن التوصل إلى اتفاق لاحتواء الأزمة بشرط حل مشكلة الملا دبس.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram