عامر القيسي عندما اغتالت المخابرات الصدامية المناضل والصحفي الشجاع خالد العراقي وأسمه الحقيقي "عادل وصفي"، في بيروت عام 1979 شيّعناه بمسيرة حاشدة انطلقت من منطقة الفاكهاني في بيروت، والتي كانت تسمى الجمهورية الديمقراطية العراقية،
لان معظم اطراف المعارضة العراقية كانت تتواجد في تلك المنطقة، الى مقبرة الشهداء، وتصدرت المسيرة لافتة كبيرة كتب عليها شطر بيت من الشعر للجواهري "باق وأعمار الطغاة قصار"، فيما كان هتاف "يابغداد دوري دوري خلي صدام يلحك نوري" يهدر في شوارع بيروت الغربية. وفعلا رحل الطغاة وبقيت ذاكرة الكفاح العراقي مشبعة برائحة خالد وغيره من الشهداء الذين دفعوا ضريبة مكلفة في مقارعة نظام صدام.اليوم في العراق الجديد، يرى بعض من ضيقي الأفق من الاعلاميين والمثقفين العراقيين، ان الوضع العراقي ميؤوس منه، وان هذا العراق انتهى، وان الجميع في مستنقع العنف والطائفية والفساد المالي والتهريب والانتهازية الى غيرها من الأمراض التي عادة ما ترافق التحولات التأريخية في حياة الشعوب المقهورة، والتي تصدمها شمس الحرية وآلية اشتغالها العسيرة في وسط اجواء سياسية واجتماعية ملتبسة. المحير في الأمر ان الكثير من هؤلاء الذين يعلنون يأسهم من شفاء الجسد العراقي المريض، يحصلون على امتيازات من هذا الجسد لم يكونوا يوما يحلمون بها، والأغلبية منهم كانوا يعتاشون على رواتب اللجوء في منافي الله الواسعة، وعندما عادوا الى الوطن انفتحت امامهم الأبواب واسعة في المؤسسات الثقافية والاعلامية التي تأسست وانطلقت بعد التغيير في التاسع من نيسان 2003. والأغرب من كل هذا انهم يعلنون يأسهم باليمين ويقبضون الامتيازات باليسار، مجسدين بذلك نموذجا نوعيا في السلوك الانتهازي المخجل للمثقف والسياسي والاعلامي، وهم فضلا عن ذلك لايريدون ان يروا شيئا حسنا، مثل فضاء الحرية الى حد الفوضى التي يتمتعون بها، فيسبون ويلعنون ويهزأون ويسقطون على هواهم دون ان يقول لهم احد شيئا أو يجبرهم احد على قول عكس مايرغبون البوح به. متناسين، عن جهل أو متعمدين، ان اللحظة التأريخية في الوطن تحتاجهم اليوم، تحتاج الى مواقف شجاعة وجريئة ومسؤولة في نفس الوقت، ولا اظن ان احداً من الذين اعنيهم لم يقرأ يوما لناظم حكمت مقطعه الشعري الشهير "اشعل شمعة بدل ان تلعن الظلام".السؤال الذي يمكن ان يوجه لهم .. هل يريدونه وطناً جاهزاً ؟ ساحة واسعة يسرحون ويمرحون فيها ويصفق الجمهور لهم في مشيتهم الطاووسية على ضفاف دجلة، والمصيبة انهم يعلمون ان العراق ينهض، لان تأريخه يقول هكذا، واجتيازه بوابة الحرب الاهلية الطائفية يقول هذا، وممانعات الشعب الوطنية لعودة الدكتاتورية، تحت اي مسمى، تقول ذلك. مؤشرات كثيرة ونوعية، رسائلها لالبس فيها من ان هذا العراق ينهض، وهو اليوم اكثر حاجة من اي وقت مضى لاصوات ابنائه من المثقفين والاعلاميين والسياسيين ليساعدوه على الخروج من محنته بما في ذلك اليائسين منهم، والذين ينبغي ان يعيدوا رؤية المشهد العراقي من كل جوانبه، وعليهم ان يكونوا على ثقة من ان عراق الجواهري والسياب وفرمان ليس لديه الا خيار طريق الشمس والحرية والتحضر. rn
كتابة على الحيطان ..باق وأعمار الطغاة قصار..

نشر في: 20 يوليو, 2010: 08:26 م







