TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > صيد الساحرات

صيد الساحرات

نشر في: 8 نوفمبر, 2022: 11:41 م

ياسين طه حافظ

هذه التسمية، أو هذا المصطلح السياسي، قل هذا التعبير الذي يقع ضمن محاولات اخفاء الجرائم بجمال اللغة، هذا كان اسم الحملة ضد التسيس يساري المنحى، الذي وجد طريقه الى قسم من صناعة السينما في هوليود.

وقع هذا حين اتضحت العودة الى قاعدة او قانون عدم التعرض للموضوعات المثيرة للجدل وما يسمى بالانكليزية controversial، كبعض الموضوعات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وكما في فلم "نيران كثيفة" 1947.

وفلم " إرث الجسد" 1949 وسواهما مما افزع المحافظين المتشددين واثار سخطهم فبدأت لعنات اللاسامية والعنصرية وتهماً مثيرة أخرى. وصل الامر حداً ان اثارهم فلم انساني عام هو "اجمل سنوات عمرنا" أو "أجمل سنوات حياتنا" 1946.

ساهمت في هذه الحملة الكنائس فراحت تجيّش الرأي العام من البروتستانت والاصوليين الكاثوليك الذين تبنوا، وسلطوا الاضواء على الابعاد الدينية للمعركة "ضد الشيوعيين الملحدين...»

لا يعنينا من هذه الكلمة ضد من، فنحن نعرفُ الاضداد، ولكن ما يعنينا هو كيف تتوجه السلطات الى الفن الذي يهددها والثقافة المعارضة التي ترى فيها خطراً عليها لاسيما حين تكون هكذا ثقافة ذات حضور وتأثير واضحين في الاوساط العامة. عموماً، لم تكن الحال تستوجب كل تلك الاجراءات. وما كان في افلام تلك المرحلة، المدانة ذلك الخطر الذي صنعته المؤسسات ومكاتب التحقيقات. والا، ففلم "اجمل سنوات عمرنا" 1946 تناول الصعوبات التي كان يواجهها قدماء المحاربين في وعدم قدرتهم على الانسجام مع المجتمع أو في التأقلم اجتماعيا مع اصحاب المال. ولكثرتهم صاروا حشد احتجاج وغضب. فاستثاروا هياج المتطرفين ضدهم (وراءهم طبعاً مخابرات الدولة..). وصل الهياج المضاد حداً راحوا يهاجمون الاعمال الكلاسية العظيمة مثل "عناقيد الغضب"، برواية شتاينبك المعروفة والمهمة. كذلك كانوا ضد أي فلم فيه انتفاضة، رفض أو انكسار انساني. ظاهر المسألة مكافحة نزعة اليسار وحقيقتها "جزّ الادغال الشرسة" أو القضاء على حركات الرفض والاحتجاج وتمردات ناس الشارع على الاوضاع التي اعقبت الحرب، وتفاصيل ذلك معروفةٌ ولا حاجة لذكرها او ذكر مصادرها. احتمال تسرب موضوعات ثورية يسارية الى الافلام، احتمال ضعيف، وان كانت ثمة يسارية، فلدى بعض كتاب السيناريو في هوليود وهؤلاء معروفون مثلما كان معروفا والت ديزني بأنه احد الوشاة لمكتب التحقيقات الفيدرالي ومنذ 1940 ورونالد ريغن كان عميلا مخابراتياً لدى المكتب ورقمه T.10، معروف ذلك وتلك امور ما عادت اسراراً. كان مصطلح "صيد الساحرات"، الادبي الجميل، يعني "صيد الحمر" أو "صيد الضد". وعلى التحديد اصطياد من يثيرون او يحرضون ضد مصالحهم وخلاصة ذلك هم اليساريون او الشيوعيون تحديداً.( نحن لا ناتي بمعلومات واسماء من عندنا. نحن ننقل ما نذكره من وقائع واحداث واسماء من مصدرها. فليكن واضحا واكيدا كل شيء...).

لا أحد يجهل ان هوليود ورساميلها ليست ملك العاملين فيها ولا ملك الكتاب ولا ملك الممثلين ولا المخرجين ولا حتى كتاب السيناريو بعددهم المحدود. ولكن كل هؤلاء، كل صناعة السينما، استفادت من احتياجات الجماهير الواسعة والمستاءة بعد الحرب، ومن رغبة الملايين بالتغيير وكون الناس ينشدون اصلاحاً وحياة افضل فقدموا افلاماً مربحة وجذّابة للجماهير..

مقابل هذا كانت الهجمة الضد. كان قمع الفكر الرافض لسطوة الشركات والرأسماليين جنونياً بلغ حداً يمكن ان يكون فيه مضحكاً.. حتى وجد احد المتعاونين معهم، ان مشهد رفض احد ارباب المصارف تقديم قرض لاحد الجنود الامريكيين في فلم " اجمل سنوات عمرنا"، وجد فيه مثار شك على المستوى السياسي، وحتى صارت كلمة مستقبل افضل او التحرر، تعابير وكلمات مشبوهة.

ومن جملة في حوار "الرفيق الطيب": "تشاركوا، تشاركوا كل شيء، هذه هي الديمقراطية.." اشتم احدهم رائحة بروبغندا شيوعية. وحتى ان ممثلة رفضت النطق بتلك الجملة عداءً، أو خشية من شكوك التحقيقات بها. فقد جرت حملة تحقيق مع الهوليوديين وكانوا تحت طائلة السؤال وعليهم الجواب: هل أنت عضو، أو سبق ان كنت عضواً في الحزب الشيوعي..؟

ما يعنينا من كل تلك التفاصيل هو كيف أولاً، توظف اللغة الجميلة للنوايا السيئة في الخطابات السياسية. وكيف أيضاً تواجه حركات الشباب المتطلعين لحياة جديدة ولتمرد الناس على البطالة والكساد. هم يصبحون أعداء سلامة البلاد ورفاهها. صيد الساحرات، ما أجمله تعبيراً وما اشنعه مضمونا..

هم يصنعون تعابير ويدبجون تفاسير يسوغون بها اشاعة الكراهية وقمع التوجه الاصلاحي، فهو في ادعائهم ارباك قِيَم مستقرة وإحداث فوضى.

هكذا يوظف "التأويل" للخدمات الرأسمالية الخاصة والتوجهات السياسية التي تريد اخضاع الجميع لمشيئتها. طبعاً الكنيسة حاضرة لاداء الواجب والمال حاضر لشراء الناس والاسلحة وبعض الناس بسبب شدة بؤسهم وتعاستهم قد يبيعون انفسهم ويتعاونون مع من هم ضد مصالحهم.

لنا الان سؤالان: الاول كيف للفن وللادب ان يكشفا عمليات "الصيد"، الجائر هذه، سواء كانت صيد ساحرات أو اصطياد افكار؟ التطلع للجديد هو المخيف. فليبادروا بقطع تلك التطلعات والاحلام اول إنباتها. وسؤالنا الثاني هو كم تحتاج هذه من الضحايا وهل تجدي؟

في السؤال الملحق: وهل تجدي؟ يكمن كل انكسار الادب وكل خيبة الفن والافكار. فامام الجوع وامام الخوف وامام اغراء البقاء آمنين متمتعين بحياتنا اليومية، كم هم القادرون على التضحية أو المستعدون لها؟ وكم هو عدد من يستسلمون، بل وينتقلون من ارضاء الحياة والجماهير الى ارضاء وخدمة من هم، مع ثرائهم وهيمناتهم، ضد الحياة وعموم الناس؟

هذه ثيمة، هذا موضوع، لا تنتهي الكتابة فيه، ودائما ما نجده في روائع اللوحات الفنية او الاعمال الادبية، او بين كتابات المفكرين. وهو احد الاسباب الكبرى لاحترامنا ولإكبارنا لتلك الكتابات. العظمة عظمة الشأن الانساني وراء تلك الاعمال، لا الالوان وحدها ولا الالفاظ. فبالرغم من كل السوء الذي تراه او تواجهه البشرية، وبالرغم من كل المحن والانكسارات يظل جمال الحياة او الجمال الانساني، هو الذي ننتظر ان نراه في الكتابة وفي الساحات...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق الدولي للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الغرابي ومجزرة جسر الزيتون

العمود الثامن: نصف قرن من التفوق

البَصْرة.. لو التَّظاهرُ للماء والنَّخيل!

العمود الثامن: نون النسوة تعانق الكتاب

كلاكيت: في مديح مهند حيال في مديح شارع حيفا

العمود الثامن: مطاردة "حرية التعبير"!!

 علي حسين أبحث في الأخبار ومجادلات الساسة عن موضوع لعدد اليوم ، وربما عن فكرة أقنع بها القارئ المحاصر بقطع الطرق والأرزاق، وبالعيش في مدن مثل حقول الألغام، شعارها التمييز، ومنهجها الإقصاء، ودليلها...
علي حسين

قناديل: حين استيقظ العراقي ولم يجد العالم

 لطفية الدليمي لعلّ بعض القرّاء مازالوا يذكرون أحد فصول كتاب اللغة الإنكليزية للصف السادس الإعدادي. تناول الفصل إيجازاً لقصّة كتبها (إج. جي. ويلز) في سبعينات القرن الماضي، عنوانها (النائم يستيقظ The Sleeper Awakes)....
لطفية الدليمي

قناطر: أنقذوا الثقافة من الأدعياء

طالب عبد العزيز منذ قرابة عقد من الزمن وأتحاد الادباء في البصرة يعاني من أزمة في اختيار مجلس إدارته، وهو بعلة لا يبدو التعافي منها قريباً، بسبب الاقتتال على المقاعد الخمسة الأولى التي تمثله....
طالب عبد العزيز

الانتخابات العراقية عام 2025: التحديات الداخلية في ظل ضغوط دولية متزايدة ..

كارول ماسالسكي ترجمة : عدوية الهلالي في يوم الثلاثاء، 11 تشرين الثاني 2025، أجرى العراق سادس انتخابات برلمانية ديمقراطية منذ سقوط صدام حسين عام 2003. وقد حققت القائمة الشيعية «ائتلاف الإعمار والتنمية»، بقيادة رئيس...
كارول ماسالسكي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram