TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: على عتبة أخرى

قناطر: على عتبة أخرى

نشر في: 1 يناير, 2023: 10:15 م

طالب عبد العزيز

لم تكن السنة الماضية حسنةً ولا سيئةً، هي مثل كل السنوات التي عشتها، تقليدية جداً، مرت مثل أي غيمة لم تمكث طويلاً، أنا لم أتأملها طويلاً أيضاً، أمّا الايام والليالي التي كانت استثنائية(مباهج وأحزان) فهي كذلك، عابرة وربما بليدة، لأنها لم تكن بمشيئتي، أنا أتسلمها حسب، اليدُ الكليّةُ تفعل ما يحلو لها، حتى ليبدو الكون كله خاضعاً لمتوالية الحَسِن والسيئ، هي مثل الدلاء التي تدار بإرادة مجهولة، تمتلئ وتفرغ بحسب مشيئة الماء والهواء، أنا لا أعيب إمتلاءها بالهواء.

الامرُ لا يستدعي الوقوف على الهواء أو الاحزان. كانت أمّي تقول: “إذا كثرتْ همومَكْ نامْ عنها” وهو قول بليغ والله. فعلام نُشركُ الاصدقاء بما يُصيبنا منها؟ مع يقيننا بأنَّ الحياة بحدِّ ذاتها فكرةٌ اشكاليّة، وهي مرهقة بكل تفاصيلها، ومحسومة بنهاية حقيرة جداً، لذا، فهي تستحق التجاهل، وإذا كان لا بدَّ منها فعلينا التعامل معها بوصفها حدثاً عابراً. فأنا مثلاً ومنذ سنواتٍ لم أعدْ أعبأٌ بالمنقلب الاجتماعي والسياسيّ والاقتصادي، لا لأنني لا أملك موقفاً من ذلك، أبداً، بل لأنَّ من يحركه أقوى منّي، فهو يملك أداة التغيير لا أنا.

ثم، ماذا يريد رجلُ وقفت سنواته على عتبة السبعين أكثر من هذا؟ شعْراً أسودَ مثلاً! وجهاً بلا تجاعيد، ظهراً مستقيماً، خطىً سريعةً، يداً واثقةً، نقوداً كثيرةً ... ؟ القاعدة تقول بأنَّ السعادات تتقاطع مع العمر، والاحلام تتضاءلُ مع تضاؤل المتبقي من العمرأيضاً. ثم من قال: إنني حزينٌ ؟ أبداً، أنا أكتبُ مادتي الاسبوعية للجريدة، وتتسربُ المباهجُ لي من بعض سطورها أحياناً، وربما كتبتُ قصيدةً فاستحسنها الاصدقاءُ، وهناك امرأة تتصلُ بي، كلما عنَّ لها ذلك، تُسمعني كلاماً جميلاً، وأختلي بنفسي، بين الليلة والليلة، أحاورها بكأس من نبيذٍ أحمرَ أحبّه، وأسهرُ مع الاصدقاء مساءَ كلِّ خميس، وربما سافرتُ الى مدينة أحبّها، وهناك مباهج أخرَ. لذا، سأقول ما قالته الروسية ماريا تسيفتايفا: إذا جاءني الغريبُ بالحصاة التي أحلم بها سأتزوجه.

يتجاهلنا الاهلُ والاقربون والاصدقاء، هم يعتقدون بلا قيمة لوجودنا، إذ لم نفعل ما يتوجب علينا، ولم نكُ على وفق ما تصوروا، وهناك من يرى في وجودنا معنى تافهاً، وبينهم من كان يتمنى لنا الموت. ذلك لأنَّ المسارات التي سلكناها مختلفة جداً، والغايات التي سعينا لتحقيقها أكبر من معارفهم. عند تقاطع شارعيّ سيربيس وفرانسيسكو برونا بمدريد، هناك لوحة تذكارية كتب عليها:” في مجمع هذه الدار التي كانت سجناً ملكياً، سُجِنَ ما بين عامي(1597-1602) ميغيل دي سرفانتس سافيدرا، وهنا ولد الفارس الذي ادهش العالم وأمتعه، النبيل العبقري دون كيخوت دي لامنشا».

كان العشبُ الفائضُ عن حاجة الحديقة يظللُ الجدران، تسلقه من ثلمةٍ في الهواء، تقول حبيبةُ البطل في الفيلم: Thank you for drink والحقَّ ما قالت، في الحانة التي كانت ملاذنا البارحة. في الشارع الذي لم يبق منه إلا يافطة المسجد وقفتُ، وعند متّجر المنتحرين الذي لم يمت أمامه أحدٌ أيضاً. عند السلّم الذي تعطل منذ اسبوع تأملتُ الصاعدين والنازلين، وليس بعيداً عن اللغة التي مات عنها قائلها قلتُ ما يستوجبُ. على السرير الذي لم تنم على وسادته امرأة بعدُ أنفقتُ الفحولةَ والكهولةً معاً، فلم أجدْ من تعقّبَ الضوءَ الى مكمنه، لذا، كان عليَّ أنْ أزيحَ الشجرةَ التي تحجبُ المقبرة عنّي، وأنْ اهتدي الى الباب حيثُ أومأ لي أحدهم، أو أصلَ الغابةَ التي لا توحشُ أحداً سواي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram