TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: السكارى لا يصنعون الكعك

باليت المدى: السكارى لا يصنعون الكعك

نشر في: 22 يناير, 2023: 09:28 م

 ستار كاووش

ثلاثة أشياء كان يتميز بها فرانس، أولاً كان يهتم كثيراً بدراجته النارية رغم عمره الذي تجاوز السبعين، وكان دائم الإعتناء بها، وكإنها إيقونة حياته، أو كإنها إحدى بناته التي ستذهب الى زفافها. ثانياً، شخصيته المرحة ووجهه المبتسم وبساطة تعامله مع الجميع.

وثالثاً، عشقه الكبير للطبخ والإهتمام بكل التفاصيل التي تتعلق بصنع الطعام والمعجنات وإقامة الحفلات الصغيرة. والطبخ هو ما لفتَ إنتباهي أكثر من أي شيء آخر يتعلق بشخصيته، فهو يستطيع أن يصنع حفلة من تفاصيل تبدو بسيطة، أو يقيم عملية طبخ بسهولة صحبة الجيران. ورغم ضخامة جسمه وهيئته التي تشبه شخصيات الرسام بوتيرو، لكنه كان يتحرك برشاقة.

ذات ظهيرة طرق فرانس باب المرسم، فتحت الباب مرحباً به ودعوته للدخول، فقال لي ضاحكاً كالعادة (سنقوم بحفلة طبخ جماعي في بيتي، يشترك فيها مجموعة من رجال ونساء القرية. هل تود المساهمة معنا؟) فوافقت مباشرة وسألته عن المطلوب مني، فأجابتي (لا يحتاج الأمر سوى عشرة يورو من كل شخص. وأنا سأتكفل بشراء كل شيء يتعلق بالطعام والشراب، وبعد أن أهيء التفاصيل سنشترك كلنا في إعداد الطعام والشراب) ثم أردفَ ضاحكاً وهو يحرك سبابته بطريقة الخبير العارف (تحت إشرافي طبعاً). وهكذا أعطيته عشرة يورو، وكتب إسمي في القائمة التي معه، ثم إتفقنا على الموعد. جاء يوم السبت الذي إتفقنا عليه، وبدأنا نتقاطر واحداً بعد الآخر على بيت فرانس وزوجته مارايكا، هذه المرأة الودودة التي كانت تتمتع بجمال كلاسيكي رغم تقدم عمرها، نعم مارايكا التي كانت تُخفي خلفَ ملامحها سحراً آفلاً وفتنه ماضية. وكانت هيئتها الخارجية لا تتلائم كثيراً مع فرانس، حيث بدت دائماً وكإنها تنتمي للعوائل الإرستقراطية القديمة في مدينة لاهاي.

داخل البيت، أخذ فرانس مكانه وسطنا، وأخذ يوزع تعليماته على الجميع، فهذا يقطع اللحم، وتلك تعتني بشرائح الخبز، وذاك يهئ الأطباق، وأخرى تنشغل بتحضير السلاطة. وكانت مهمتي هي فتح بضع قنانٍي من النبيذ الأحمر والأبيض، ودلقها في الأقداح، لنبتدئ بها تلطيف المزاج. هكذا بدأت الأمور تأخذ مدياتها وكل واحد منشغل بتهيئة شيء. وقد تخلل ذلك الكثير من الأحاديث الجانبية التي كانت ترتفع عالياً مع كل رشفة نبيذ جديدة. في بيت فرانس ومارايكا، توزعت الكثير من الكراسي والطاولات التي تداخلت مع بعضها، وبعد دخولنا بدقائق بدأت تستقر على سطوح الطاولات، العديد من الأطباق والأقداح وقطع الأكل، وكذلك بعض القبعات، فيما انتشرت أشياء أخرى على طاولات الصالون الصغيرة وعلى الأرض، حتى بدا المكان وكإنه واحدة من لوحات الرسام يان ستين بكل ما تحمله من حياة ومتعة وألفة… وفوضى طبعاً.

إحتدمت الأحاديث، وأندلقت من الأفواه أخبار القرية وما حدث لهذا أو ذاك، وكيف كبر الأولاد بسرعة. ووسط كل ذلك، نظرت اليَّ امرأة من الجيران بخديها المتوردين بفعل النبيذ، وكإنها خرجت تواً من واحدة من لوحات فرانس هالس، ثم حوَّلَتْ نظرها الى بنطالي الذي بدت عليه بعض آثار الألوان وسألتني (كيف أحوال عملك؟ أما زلتَ تمضي كل وقتك وسط الأصباغ؟). وقبلَ أن أجيبها، قرَّبَ زوجها رأسه منها قائلاً بصوت يكاد لا يُسمع (أية أصباغ أيتها الفلاحة؟! إسمه الرسم، لأنه فنان) وهنا علا ضحك الجميع ومضينا نملأ الأطباق من جديد.

مرت بضع ساعات وسط الأكل والشرب، حتى توقفَ فرانس مخاطباً الجميع ( والآن حان وقت تحضير الكعك والفطائر) وأشار الى إناء كبير، مليء بالعجين السائل، كان قد أخرجه قبل قليل من الثلاجة، وقال (من سيبدأ؟) وهنا انبريتُ للقيام بهذه المهمة التي لم أقم بها طوال حياتي. وفيما هم منشغلون بإحاديثهم، أشعلتُ النار وسكبتُ جزء صغير من العجين في المقلاة المليئة بالزيت، وبعد قليل أمسكتُ مقبض المقلاة وحاولت أن أرمي الفطيرة التي تشبه العجة للأعلى كي أقلبها، لكنها سقطت على حافة المقلاة، فالأمر لم يكن سهلاً بعد إرتشاف أقداح النبيذ، وهكذا حاولتُ مرة أخرى بيدي الملطخة بالزيت والعجين، لكن المحاولة الثانية فشلت أكثر من الأولى. فإنتبه فرانس الى الحرب التي اندلعت في المطبخ، وقال ضاحكاً (السكارى لا يصنعون الكعك).

فتوقفتُ عن المحاولات، وسَلَّمتُ المهمة لإحدى الجارات. في نهاية المساء، عدتُ الى المرسم الذي يبعد دقيقتين مشياً عن حفلة الطبخ، ومعي نصف قنينة نبيذ، وضعتها على الطاولة، ومددتُ يدي في الصندوق البيضوي المليء بأقراص الموسيقى، والذي بدا مثل صندوق كرات البنغو، وأخرجتُ شيئاً لسماعه، وأكملت السهرة بين لوحاتي والموسيقى وما تبقى من أحاديث الجيران.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram