TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: بغداد مائدة نزهت

قناطر: بغداد مائدة نزهت

نشر في: 14 فبراير, 2023: 11:25 م

طالب عبد العزيز

على طرف الطاولة، تركتُ فنجان القهوة، بما تبقّى في جوفه من لطخات البن، مازال طعمُ حبّة التمر البرحيِّ المدافة بالسمسم، والمحشوّة باللوزعالقاً بفمي، وقد فرغت للتو من حلاقة ذقني، وتعطرت بماء القولونيا ماركةPOMPEIA الفرنسية الشهيرة،

التي استعملها منذ قرابة نصف قرن. هذا الصباح أكثر من سبب لفتح الباب، ومعاينة الكائنات وهي تأتي أو تمضي الى أشيائها، أكثر من سبب لقول شيءٍ مختلف، وفي الطريق التي تخلو من المارة الآن محرضٌ آخر لفعل ما، لا أعرفه، وأسعدُ كثيراً أنني لا أعرفه. في القيعة الرطبة التي تتقدم مبنى البيت، وعلى نخيلها وأشجارها بقيا من مطر فجر البارحة، هناك أكثر من سبب للسعادةِ لكي تهبَّ باردةً، وللمباهج أنْ تدنو، لذا، وعلى خلاف القاعدة كانت مائدة نزهت سيدة صباح اليوم هذا، فقد تمكنتُ من زحزحة سيدته الكبرى فيروز.. وتركتُ للريح العبثَ بتنانير نساء أخيلتي الجميلات.

ولأنَّ الكتابة نوعٌ من الفعل اليدوي، بحسب هاروكي ماروكي، فقد بحثتُ عن كتاب صديقي الشاعر والناقد علي عبد الامير(الفستان الاحمر)الذي اشتقَّ عنوانه من اغنية بذات الاسم لمائدة نزهت، لكنني لم أعثر عليه، أو أنني لم اقتنه بالاساس. لا أمتدحُ صوت مائدة، لكنَّ حياةً بغدادية تتلبسني عند سماعها، ويحملني صوتها الى بغداد التي اعشق، على انشداد جسدي الى تراب البصرة، هناك بغددة تتخلق في روح كل كائن لا طاقة لمخلوق، شاعر مثلي على تحملها دون قولة الله أكبر، منزوعةً من جفنين محترقيتن بالدمع، من قلب مفجوع بحب لا يقوى عليه جسدٌ سيبلغ السبعين بعد شهرين. كنتُ أشعر كم نبخس حقَّ بغدادنا، وكم وقع على مدنيتنا ومدينتنا من جور هؤلاء، الذين لم يجدوا في صوت مائدة نزهت بغدادهم.

لا أريد ليومي هذا أن ينصرف عن الجمال، ففي الغد سأخرج مع الاصدقاء بنزهة، شبه بريئة الى شبه جزيرة الصالحية، على شط العرب، وسأنعم معهم بحديث الشعر والاغنية والمطر وصناعة القيم، لذا، لن أخوض مخاضة بداية الاسبوع التي ترذلت بالمحتوى السيء وغير الاخلاقي، لهذا ساحتفل بمائدة نزهت على طريقتي الخاصة، كعاشق لبغداد أولاً وكيساري سابق، ولأتوقف عند النقلة الاهم في حياة مائدة، والتي تمثلت بزواجها من الملحن سمير بغدادي(وديع خوندة)ذي التوجّه اليساري أيضاً، وقد توَّجَ انحيازه باغنية هي الاجمل عندي"على أم الفستان الاحمر" يوم كان اللون الاحمر صوت الحرية ونشيد الحياة الكريمة، يوم كانت بغداد تتهادى عطراً باذخاً أينما توجه اهلُها، يوم كانت شوارعها ومبانيها وحاناتها وحدائقها قبلة المدنية الموعودة، وركيزة التحضر التي لا سبيل إلا لاستمرارها.

قد لا ترسم مائدة نزهت صورة بغداد الانيقة بمفردها آنذاك، فالمدنية التي ابتدأت تدبُّ انشطتها في مفاصل الحياة تعود بجذورها الى أربعينات القرن الماضي، وتتمثل في أكثر من اتجاه فنيٍّ ومعماري وثقافي، وإذا كانت الاغنية المثالَ الاكثر وضوحاً، فلأنَّ الموسيقى والأصوات الجميلة هي الاسرع والاقرب الى الروح. شاءت الدنيا لبغدادَ مغادرة عثمانيتها وأحوال ما بعد الحربين لتأسس من جديد، كواحدة من اجمل عواصم الشرق، لذا، لم يتوان البغداديون عن ارتداء ثياب عصرهم، والارتماس حدَّ الغرق بنهر الجمال، وتقبّل -عن طيب خاطر- كلَّ ما تبذله المدينة من عناصر الألفة والحب والجمال، فكانت البيوت الانيقة، ذات الاسيجة الواطئة، والشرفات المزدانة بالورد، والحدائق المنزلية العامرة بالآس ومختلف ألوان الفاكهة والمقاهي والحانات ودور السينما والمسارح ووو... تدعو الناس لتسلّم كل ماهو جميل وجوهري في الحياة، وحين نصغي الى أغاني الخمسينات والستينات سنعثرُ على ما يوضح ذلك، ولن نعثر على ألم وشكوى من شيء اللهم إلا من فراق حبيب وهجران حبيبة. فقد كانت الحياة مثلما تصفها مائدة:"شتسوى الدنيا بغير الحب! شتسوى الدنيا بلا محبوب؟".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram