ثائر صالح
يشتهر المؤلف الأستوني آرفو پـَرت (ولد في 1935) بين الموسيقيين الأحياء الأكثر تقديماً، وهو يتنافس على هذا اللقب مع آخرين مثل جون ويليامز (1932) الذي يؤلف الموسيقى لأفلام المخرج ستيفن سبيلبرغ (1946) صاحب عدد من أكثر أفلام هوليوود نجاحا.
درس الموسيقى في تالين عاصمة استونيا وألف موسيقى للسينما والمسرح وعمل في الراديو الأستوني. بدأ تأليف الموسيقى مبكراً ضمن الاسلوب الرومانتيكي المتأخر متأثراً بأعمال شوستاكوفيتش وبارتوك ثم أخذ يميل إلى الاتجاهات الموسيقية الحديثة مثل الموسيقى التسلسلية (سيريالزم) والمينيمالزم (استعمال أقل عدد من النغمات)، حتى ابتدع لنفسه أسلوبا موسيقيا أسماه "تِنْتِنابولي" في 1976. وتعني الكلمة باللاتينية الأجراس الصغيرة وهو تعبير بليغ عن لغته الموسيقية. لم تقدم أعماله في فترة من الفترات أواخر الستينات وبداية السبعينات في الاتحاد السوفيتي بسبب طبيعتها الدينية، خاصة بعد تقديم عمله "كريدو" (1968) الديني الصريح، فتوجه خلال تلك الفترة الى دراسة الموسيقى القديمة للقرون الوسطى وعصر النهضة التي انعكست في أعماله اللاحقة. وقد انهارت في الفترة التي تلت المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي أحلام من كانوا يؤمنون بالتجديد في الاتحاد السوفيتي بعد الستالينية بسبب التقوقع والجمود الذي ميز فترة حكم بريجنيف.
أهتم بالروحانيات، وتوجه صوب الدين حتى أنه ترك المذهب اللوثري (من فروع البروتستانتية) ليعتنق الأرثودوكسية الشائعة في روسيا. أشهر أعماله "مرآة في المرآة" (1978) للبيانو والكمان، وكذلك "نشيد في ذكرى بنجامين برتن" (1977) وخماسية وترية "الاخوة". استعمل الكثير من أعماله في الموسيقى المصاحبة لمختلف الأفلام بسبب تأثيرها الساحر، لكنه حصل على اهتمام واسع بسبب أعماله المكتوبة للأصوات (كورس) التي يستعمل في معظمها نصوص الطقوس والصلوات والكتب الدينية، بينها مناحي آدم (2009) حسب الطقس الأرثودوكسي الروسي. بهذا يختلف پـَرت عن أقرانه الموسيقيين في دول البلطيق الذين يركزون على التراث القومي والأساطير المحلية، كجزء من عملية إعادة الاعتبار للجانب القومي بعد نصف قرن من الهيمنة السوفيتية.
يتجنب آرفو پـَرت الحياة العامة، ولا يتكلم إلا القليل إن استنطقه الصحفيون: "ليس لدي شيء أقوله، الموسيقى تقول ما أريد أن أقوله. من الخطورة قول أي شيء، فلو قلته بالكلمات قد لا يبقى شيء للموسيقى كي تقوله". موسيقاه صوفية عميقة، مهدئة، وصفت بأنها "صوت الصمت"، "أجمل موسيقى بعد الصمت" و أيضاً "رحلة نحو الصمت". يقول عنها عازف الكمان المعروف جدعون كريمر أنها "تنظفنا من كل الضوضاء التي تحيط بنا".
سمحت السلطات السوفيتية سنة 1980 بهجرة پـَرت وابنيه وزوجته الثانية نورا، فأخذت العائلة سبع حقائب مليئة بالمدونات الموسيقية والأشرطة والتسجيلات فحسب. استقرت العائلة أول الأمر في فيينا لعام واحد، انتقلت بعدها إلى برلين لتعيش هناك نحو ثلاثين سنة قبل أن تعود إلى أستونيا التي استعادت استقلالها إثر انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد أعلن پـَرت اعتزاله الحياة العامة تماما في 18/10/2021.