حيدر المحسن
يذكر الجاحظ في كتاب "الحيوان" أخبارا عن مساكنة العرب للكلب، وكيف أنه يوقظ في قلوبهم حُبّ الرفقة الدائمة له، فهو يوجد أينما يقوم بيتٌ لإعرابيّ وكأن الاثنين لا يفترقان أبدا. وفي العصر الحديث اقتصر هذا الأمر على البيوت في الريف والبادية، حيث تشبه الكلاب الذئابَ، وللواحد منها أمام اللصوص هيبة وسطوة الأسد، فلا أحد يجرأ على السرقة والكلب يحرس الدار.
لكن ليس هناك أشرس من الكلاب السائبة في البريّة، وتعيش هذه مثل الوحوش في طلب الطعام، فهي تتغذّى على ما تصطاده من أرانب وفئران وسحالي وما شابه، وهجم عليّ في إحدى اللّيالي وحشٌ أسودُ ظهر فجأة من وسط الظّلام، وكانت العجلة تمضي بي على الشارع الواصل بين بغداد ومدينتي العمارة، وأنا أسوق مثل اللاّهي. عضّ دعامةَ السّيّارة، وأخذها في فمه، وداسه إطارُ العجلة الأماميّ فسحقه، وظلّ يطحنه لثوان، ثم أتبعه الإطار الخلفي، ورأيتُهُ في المرآة يعرج في أثري وينبح. بينما نرى الكلب في المدينة أكثر من جبان، فالصّبيّ الذي يطارده هو الذي ينبح، ويرميه بالأحجار ويعوي، والكلب ساكت مثل فتاة عاقلة، ويقلّد الصّبيّ كلّ ما يقوم به الكلب المتوحّش الشّرس، والكلب المطارَد يركض شاردا، ثم إنّه أسرع في الجري، والصّبيّ يتبعه بالنّباح وبالأحجار، وتخيّلت الصّبيّ يمسك به، وينشب فيه أسنانه. يقول سعدي يوسف: "البشر يشبهون الكلاب / والكلاب تشبه البشر".
نقرأ في سفر الأمثال الإصحاح السّادس والعشرين: الآية 17 "كممسك أذنيّ كلب، هكذا من يعبر ويتعرّض لمشاجرة لا تعنيه" لأنّه يعرض نفسه لأن يعقره الكلب، ويُذكر الكلب في هذا الإصحاح آية 11 "كما يعود الكلب إلى قيئه هكذا الجاهل يعيد حماقته"، وفي الصّفحة نفسها من هذا السّفر نقرأ عن الجاهل: "جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيما في عيني نفسه".
قصّة كلب أصحاب الكهف معروفة، وكُتِبَ عنها الكثير في مراجع علماء وفقهاء المسلمين، واخترتُ شاهدا آخر على ذِكر الكلب في تراثنا. عنوان الكتاب هو جامع الأسانيد لابن الجوزي عبد الرّحمن بن علي (ت 597 هجرية) من تحقيق الدّكتور علي حسين البوّاب. النّاشر: مكتبة الرّشيد – الرّياض. الطّبعة الأولى، 1426 هجرية – 2005 ميلادية. رقم المسند هو (176)، وعنوانه "مسند السّالب بن أبي السّالب". واسم أبي السّالب صيفيّ بن عائذ المخزوميّ(1):
(1825) الحديث الأوّل: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الصّمد قال: حدّثنا ثابت قال: حدّثنا هلال بن خَبّاب عن مجاهد عن مولاه ــ يعني السّالب بن أبي السّالب أنّه حدّثه: أنّه كان في من بنى الكعبة في الجاهلية. قال: ولي حجرٌ أنا نَحَتُّه بيدي أعبُدُهُ من دون الله تعالى، فأجيء باللّبن الخاثر الذي أنْفَسُه (2) على نفسي فأصُبُّه عليه، فيجيء الكلب فيَلْحَسُه ثم يَشُغَرُ فيبول(3). قال: فبنينا حتى بَلَغْنا موضع الحَجَر، وما يرى الحجرَ أحدٌ، فإذا هو وسطَ حجارِتنا مثلُ رأس الرّجل يكاد يتراءى منه وجهُ الرّجل، فقال بطن من قريش: نحن نضَعُه. وقال آخرون: نحن نضَعُه. فقالوا: اجعلوا بينكم حَكَماً، وهو أوّل رجل يَطُلَعُ من الفجّ، فجاء النّبيُّ (صلّى الله عليه وسلَّم) فقالوا: أتاكم الأمينُ، فقالوا: فوضعَه في ثَوب، ثم دعا بطونَهم فأخذوا بنواحيه معه، فوضَعه هو صلّى الله عليه وسلّم (4).
ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآحاد 2/22، ومعرفة الصّحابة 3/1369، والاستيعاب 2/99، والتّهذيب 3/104، والإصابة 2/10. (2) الخاثر: الغليظ. وأنفَسُه: أبخل به. (3) شَغَرَ الكلبُ: رفع إحدى رجليه ليبول. (4) المسند 24/261 (15504) وفيه: عن مولاه أنه حدّثه. وجعل المحقّق مولاه هو قيس بن السّائب، مع أن الإمام أحمد جعله في مسند السّالب بن أبي السّالب. وصحّح المحقّق إسناده، وذكر بعض شواهده.