علي زامللم يفاجئنا المخرج جيمس كاميرون بفيلمه الأخير (افتار) بالشكل الذي يجعلنا نظن انه يؤسس لسينما جديدة فاجأت كل الأشكال السينمائية التقليدية على مستوى الشكل او المضمون، فالسينما الرقمية والإبهار الضوئي واللوني الذي درجت عليه أفلام هوليوود في السنين الأخيرة صار
لازمة فنية ترافق كل الأعمال السينمائية تقريبا حتى تلك التي لا تستند فيها الحكاية إلى قصة خرافية خيالية او قصة تاريخية ملحمية، فالمؤثرات الخاصة التي يضعها خبراء الحاسوب صارت ضرورة فنية ملحة لكل صانع حتى وان كان الفيلم الذي يشتغل عليه المخرج هو قصة واقعية بحتة..rnفالأفلام التاريخية وأفلام السيرة الذاتية تتطلب خلق مناخ زماني ومكاني ليس بالضرورة أن يكون موجوداً حاليا كي يجبر صانعي الفيلم لخلق محاكاة لهذه الأماكن على شاشة الحاسوب، وهذا ما يوفر مبالغ طائلة على مستوى الإنتاج بديلاً عن بناء ديكورات ضخمة او مجاميع كبيرة يصعب على (صانع العمل الفني وفريقه) السيطرة عليها، علاوة على ان الصور الحاسوبية تذلل الصعاب على المخرج والفنيين بالشكل الذي يتم فيها تحسينها او تغييرها متى ما أرادوا ذلك، مما يوفر فرصا كبيرة لإنتاج صورة فلمية على مستوى عال من الجودة الفنية، اما على مستوى مضمون الفيلم فقد عالج موضوعة إنسانية ليست بالجديدة على السينما وهي موضوعة احتلال بلاد بغية استغلال مواردها الاقتصادية والبشرية ومصادرة هويتها الثقافية وتفكيك النظم الاجتماعية التي تحكمها.الجديد في الفيلم هو ان المخرج اختار بيئة جديدة على المشاهد والبسها الثيمة الملحمية التي تجسدت في هذا الكوكب البعيد عن الارض الذي يسخر الموارد المعدنية النفيسة وكيف تصدى سكان ذلك الكوكب لقوانين المحتل وتجميع قدراتهم للدفاع عن ارضهم وثقافتهم ولغتهم وجنسهم. الطريف في الفيلم ان الأبطال الحقيقيين في الفيلم هم من البشر العاديين والذين تورطوا في برنامج خاص لتحويل جنسهم الى (الانافي ) وهو اسم شعب ذلك الكوكب البعيد، وهو جنس بشري غريب المظهر طويل القامة ازرق اللون له ذيل طويل وبعد ان عرف هؤلاء المتطوعين بنوايا أصحاب هذا البرنامج انتصروا الى إنسانيتهم وقرروا التمرد على مرؤوسهم ، واختاروا الاصطفاف مع شعب ذلك الكوكب وهذا ما عجل بهزيمة المستعمر شر هزيمة، وبالعودة الى اختيار جيمس كاميرون وبيئته لتكون بيئة حاسوبية بحتة كان لها أسباب عديدة من أهمها سبب انتاجي، ففلم كـ(آفاتار) لو قدر للمخرج ان يكون شخوصه من البشر العاديين وان تكون البيئة والمناخ الذي يتحركون فيه طبيعيا مائة بالمائة لكان على جهة الإنتاج تخصيص أموال طائلة مقابل انتاج مثل تلك الملحمة. وقد يكون الإبهار السينمائي فيما قدر للمخرج إخراجه بالطرق الكلاسيكية المعمول بها في ستوديوهات هوليود قاصرا مما يجعل شباك التذاكر لربما عاجزا عن تغطية نفقات إنتاج الفيلم، وهذه المخاوف تؤرق المنتجين، خاصة وان وقت مشروع الفيلم تزامن مع الأزمة المالية العالمية التي طالت الولايات المتحدة المتضرر الأول منها.ومع ارتفاع أجور الممثلين في هوليود وبالرغم من تنامي الازمة المالية عن نفس السقف كان لزاما على المنتجين والمخرجين ايجاد بديل سينمائي مرض للمشاهد، اولا الذي لايقبل اقل من ابهاره بصريا ومن ثم وجدانيا ليجير نجاح أي فيلم سينمائي والثاني فيما يخص شركات الانتاج التي تحرص ان تضع اموالها في مشاريع ناجحة وخصوصا من اسم مثل المخرج جيمس كاميرون، من دون الخضوع لمتطلبات (النجم) البطل الذي قد يكون اجره يعادل 20% من قيمة انتاج أي فيلم سينمائي، ناهيك عن استيفائه نسبة من بطاقات التذاكر في صالات العرض. ولقد كان لهذا التوجه وخلال السنوات الأربع الأخيرة صداه الواسع. فلقد شاهد العالم العديد من افلام الرسوم المتحركة للكبار من أفلام كارتونية حازت على إعجاب المشاهدين بل رشح العديد من هذه الأفلام الى جوائز مهمة مثل الاوسكار وغيرها بل ان افتتاح مهرجان كان السينمائي قبل الأخير كان بعض فيلم (up ( وهو فيلم كارتوني حاز على الإعجاب اينما عرض في كل أنحاء العالم وهو اعتراف عالمي بان الفيلم التكنلوجي صار منافسا قويا للفيلم الكلاسيكي الذي درجت عليه السينما العالمية والاميركية خصوصا على صناعته على مدى المائة عام المنصرمة ، والسؤال هو وكوننا نعيش عصر التكنلوجيا الرقمية المتسارع، هل صار الفيلم الحاسوبي بالتكنلوجيا الرقمية والإبهار بديلاً عن الفيلم الكلاسيكي؟ وهل علينا من الان فصاعدا الاعتياد على رؤية نجوم يصنعهم الحاسوب من الضوء الالكتروني وشعاع الليزر بدلا من رؤية النجوم الحقيقيين مثل (توم كروز) و(مات ديلون) و(بن إفلك) الذين من لحم ودم ؟ تساؤلات باتت واقعية في ظل تسارع ثورة التكنلوجية الرقمية واستحواذها على كل مرافق الحياة وليس السينما فقط.
آفاتار وصناعة السينما الرقمية
نشر في: 6 أغسطس, 2010: 04:59 م