TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > تِشَارلز الثالث.. حامي الأديان والمُعتقدات

تِشَارلز الثالث.. حامي الأديان والمُعتقدات

نشر في: 10 مايو, 2023: 09:52 م

رشيد الخيّون

توج تشارلز وريثاً لأمّه إليزابيث الثَّانية (توفيت: 2022)، ملكاً باسم تشالز الثَّالث (6/5/2023)، بعد الأول (أُعدم: 1649)، والثّاني (ت: 1685). لم تشهد بريطانيا مهرجانَ تتويج منذ سبعين عاماً، انقرض الجيل الذي شهده (1953)، وتبدلت الدّنيا، فتصدر الملك المتوج الحوار الدينيّ بعد أنْ بات الاختلاط الدّيني واقعاً، حتَّى صار هندوسيّ رئيساً للوزراء، ومسلم وزيرَ أسكتلندا الأول، ناهيك عن أعضاء البرلمان، والوزراء ليسوا بريطانيي الأصول ولا مسيحيين.

عدَّ الملك رأس الكنيسة، بعد تأسيس هنري الثامن الكنيسة الانجليكانية (1534)، يستمد شكلياً شرعيته مِن الكنيسة التي يرأسها، فترى رئيس أساقفة كانتربري المدبر لمهرجان التتويج، لقن حامل التاج القسم، وعمده بالزّيت، الذي يُحضر بالقدس، حيث كنيسة القيامة، بمشهد تكرر في التّاريخ القديم. كم يُذكرنا باستلام حامورابي (1792 قبل الميلاد) شريعته- الأصل في اللُّوفر- مِن الآلهة. بمعنى تتبدل الأزمان وللدين مكانته.

تحضر تلك الطقوس تاريخاً وتقاليدَ عريقة، تجذب الأنظار لفخامتها وغرابتها، وإلا فملك بريطانيا لا يملك مِن السلطة شيئاً، كي تحتشد الجموع بالإجبار لا الاختيار، لكنه رمز للدولة، قد يُنصَّبُ، في عام، رؤساء وزراء، والدولة لا تنهار لوجود الملك، فله التدخل إذا ما تعرضت للانهيار.

أظهرت مراسم التتويج الملكَ متواضعاً، كأنّ كبيرَ الأساقفة ينبهه: "فوق كلِّ عالمٍ عليم"، وينطقها أمامه: "المسيح ملك الملوك"! ثم يوصيه بصيانة التَّاج، ويكرر عليه مفردة "العدل"، دون إشعاره أنه نائب الله أو ظله! ولقنه القسم والتّعهد الجديد: قسم "التَّتويج"، مثبت منذ (1688)، يخص حماية كنيسة الدَّولة، والتَّعهد بحماية الأديان والمعتقدات. بعدها رفع يديه مبتهلاً: "يا ربّ احفظ الملك ".

عندما يُجادل الدِّينيون السِّياسيون، عن طموحهم بدولة، يتخذون مِن بريطانيا بوجود الصَّليب، في رأس التَّاج، حجةً، لتبني الدَّولة الدّينية عالمياً، لكنَّهم لا يميزون بين معنوية ورمزية التاريخ والتّسلط بحاكميّة إلهيّة، تشريعيّة وتنفيذيَّة مطلقة، فإذا اشترطت الكنيسة الانجليكانيّة ألا يتولى العرش غير البروتستانتي، فهذا أثر مِن الآثار. يكفي كان حضور ممثلي الأديان والمذاهب، المتعايشة بالبلاد، حفلة التتويج، استجابة لتغيير فرضه الواقع، أنْ يتعهد الملك بحماية المعتقدات وليس البروستسانية فقط.

لم يعدّ الملك نائباً عن الله، ولا نائباً عن المسيح، مثلما واقع الولاية لدى الأحزاب الدّينية، ولا "ملك على الضَّمائر"، فهذا الجمهور المحتشد، منذ المساء حتَّى الصَّباح، حول مكان التَّتويج، والطَّريق بين القصر والكنيسة، لم تجمعه عقيدة دينية، فمِن المحتشدين أنفسهم انتخبوا هندوسيّاً ومسلماً لأرفع المناصب.

حضرت الحشود احتراماً لدور الملكيّة المعنويّ، في الحفاظ على البلاد، والدهشة مِن تقاليد عمرها مئات السنين. كانت المراسم مُتحفاً للنفائس، لا يُفتتح إلا بـ"مات الملك عاش الملك".

إنَّ حماية العقائد الدينيّة، بحساب مذابح الماضي، لا يوفرها الحُكم الديني، إنما توفرها العلمانيّة، الدّولة فيها لا تقرأ التَّراتيل، ولا تشعل الشّموع وتوقد البخور، هذا مِن شأن الكنائس.

بعد الهجرات، صار الواقع بالدول الأوروبية، لا تُحجب عقيدةً مِن العقائد الدينية، وذلك لعلمانيتها، وهو في صميم تعبير الصّوفيّ محيي الدِّين بن عربي (ت: 638هـ): "لقد صَارَ قَلْبِي قابلًا كلَّ صُورَةٍ/ فمرعىً لِغزْلَانٍ ودَيْرًا لرُهْبَانِ/ وبَيْتًا لأَصْنَامِ وكَعْبَةَ طَائِفٍ/وألواحَ تَوْرَاةٍ، ومُصْحَفَ قُرْآن/ أدِينُ بِدِينِ الحُبِّ أنَّى تَوَجَّهَتْ/ رَكَائبُهُ فالحب دِينِي وإيماني" (ابن نقطة، تكملة الإكمال)، فكل هذا التَّنوع موجوداً ومتعايشاً بالقانون، ومَن يحاول تغيير الواقع سيكون أول الخاسرين.

صحيح أنهم اعتبروها مِن شطحات ابن عربيّ، لكنَّ العالم في ظل ما وصفه شاعر العصر: "وتلاقت الدُّنيا فكادَ مُشرقٌ/مِن أهلِها بمُغرّبٍ يتعثرُ"، لم تبق فكرةَ ابن عربي شطحةً، و"لا محبة الزَّنادقة" (الحوالي، العقيدة الطَّحاويَّة)، إنما فلسفةٌ لتعايش مِن تعهد الملك حمايتهم مِن الأديان والمُعتقدات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

 علي حسين على معظم شاشات العالم شاهدنا امس الاول رئيس كوريا الحنوبية السابق يعتذر للشعب ، بعد الحكم عليه بالمؤبد بسبب اعلانه للأحكام العرفية قبل اكثر من عام ، وقال انه " يأسف...
علي حسين

قناطر: "العيداني" في البصرة مطلبٌ عند أهلها

طالب عبد العزيز كان لمحافظ البصرة المهندس أسعد العيداني أن يكون أوفر العراقيين حظاً في تسنم منصب رئيس الوزراء لو أنه شاء ذلك، لكنَّ غالبية البصريين لا يريدونه هناك، ومن وجهة نظر خاصة فأنه...
طالب عبد العزيز

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

سعد سلوم - بسام القوتلي كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري،...
سعد سلّوم

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

عصام الياسري في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram