TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: عن النصب والتماثيل أيضاً

قناطر: عن النصب والتماثيل أيضاً

نشر في: 13 مايو, 2023: 11:36 م

طالب عبد العزيز

أخرج المهندسون المدنيون التماثيل والنصب من قاعات المتاحف المظلمة الى الشمس والفضاء الخارجي، وفي دورة الزمن الكبرى باتت جزءاً من قانون ومرتسمات التخطيط العام لأي مدينة، لا لملء الفراغ بل لأتمام الصورة، التي ستكون عليها، ثم انتهوا الى ما نراه من الاعمال تلك في ساحات وشوارع المدن القديمة والحديثة، على حد سواء، وهكذا وقفنا نتامل، مثنين على الجمال في الاعمال تلك، أو متحدثين بسوء عن المرتجل والرديء منها، ضمن مسؤولية جمالية وحضارية مشتركة بين الصانع النحات والمتلقي المستفيد.

تجاوزت فكرة التماثيل والنصب في بناء المدن حدودها التزينية الى ضرورة بَصَريَة، ومهمة حضارية، والى ما هو أبعد من ذلك، ثم تعاظمت الفكرة لتدخل في صلب أعمال التخطيط والبناء، وعبر الزمن صار الحديث عن المدن التاريخية الكبرى بلا معنى، خارج عنايتنا بالاعمال العظيمة التي تنتصب في شوارعها وساحاتها وحدائقها هناك، فهي تشكل الصورة الحقيقة لمعنى المدينة، ذلك لأن ما نحتفظ به في عودتنا منها ليس الانسان، بل ما أقامه وشيده الإنسان هناك من علامات وأفكار ومعالم. وهل من حديث عن روما وأثينا وباريس وبودابست خارج ما أقامه المثالون والفنانون والمهندسون البارعون هناك؟

ظلت المدن العراقية فقيرة الساحات، منقوصة الصورة، بسبب التشريع الديني، الذي يحرّم التشبيه والتجسيم، وقبل تمثال الجنرال ستانلي مود، قائد حملة بلاد الرافدين، في الجيش البريطاني، الذي ازيح الستار عنه في العام 1932 لم يُرَ في بلاد العراق تمثالٌ، وكانت مناسبة غير مشرّفة، بكل تاكيد، لذا أسقط التمثال في ثورة 1958. ما يؤسف له أنَّ فكرة النصب والتماثيل عند كثير من العراقيين(ساسة ومجتمع) ترتبط بالبطولة لا بقيم الجمال، ولو استثنينا ما أقيم في فترة عبد الكريم قاسم (نصب الحرية، الام..) وبعض الاعمال التي أنجزت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لما عثرنا على ما يمكن تأمله جمالياً وانسانياً خارج حدود القوة والبطولة والانتصار.

بعد سقوط نظام صدام حسين بسنتين حمل المتشددون الاسلاميون فؤوسهم وانهالوا بالضرب على نصب السندباد البحري، المقام في ساحة الطيران، بالبصرة، ثم عمدوا الى قلعه بالجرافات نهائياً، ولكي تكمل صورة التردي شيدوا مكانه نصباً، على هيئة قبر، دون أيِّ لمسة للجمال، قبر يحاكي شهداء العام 1991 الذين انتفضوا ضد النظام آنذاك. ليس الموضوع نقيصة وسبةً، التنفيذ هو السُّبّة. كلُّ الاعمال النحتية التاريخية العظيمة التي تزين المتاحف كانت تحاكي البطولة والانتصارات، لكنَّ الذين صنعوها كانوا عباقرة، وكانوا مفكرين عظماء، درسوا الفن وفهموه لا بوصفه محاكاة جامدة وتعبير صوري، إنما بوصفه بذخاً فكرياً، وخلاصة لأفكار كبرى، فقامت أعمالهم لتخلد في الزمن.

لم يصمد النصب(القبر) هذا طويلاً. أمس، حين مررتُ بالساحة كانت الجرافة- ربما هي ذاتها- قد أزالته بالتمام، الآن، أفكرُ بالجهة التي تعمل على إحلال البديل له، من هي؟ وكيف سيكون، أما آن لفناني ومهندسي المدينة أن يُشركوا في الامر؟ وهل هناك المزيد من القبح؟ ومتى نخلص من ترسيخ قيم القتل والموت والنفي والقهر والتفوق الديني- الطائفي في ساحاتنا وشوارعنا؟ ومتى تمنع الحكومة أصحاب المشاريع السياسية والطائفية من نشر يافطاتهم ونشراlh]m تهم ومقاصدهم التي تجاوزت حدود الدين الى مشاريع ومناقصات واقتصاد الدين كما هو واضح وجلي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram