ستار كاووش
ما هو شعور الرسام حين يفقد بصره؟ وكيف سيعيش وسط الظلمة بعد أن تَعَوَّدَ على الألوان والضوء؟ كيف ستمضي أيامه بعيداً عن لوحاته وألوانه التي كانت أساس حياته؟
فكرت بذلك وأنا أقف أمام لوحات الرسام يوجين ليرمانس (١٨٦٤-١٩٤٠) الذي فقد بصره وهو في قمة مسيرته الابداعية، لينقطع مرغماً عن الرسم، وظل يتهامس مع نفسه في ظلمة المرسم، مفكراً بمصير لوحاته التي رسم فيها الناس الذين أحبهم وانتمى اليهم. وفقدان البصر ليست أول كارثة تحدث في حياة هذا الفنان، بل كان قد فقدَ النطق وهو في الحادية عشرة من عمره، إضافة الى فقدانه السمع. وهكذا إجتمعت كل الإعاقات في جسد مرهف يصنع الجمال، حيث إنسَدَّ الطريق ورحل الضوء من عيني هذا الرسام الذي رسم الفقراء والمعوزين وهم ينزحون من بيوتهم ومناطق سكناهم، قاطعين الطرقات الخاوية التي تؤدي الى أماكن مجهولة.
حصل ليرمانس في صباه على بعض الدروس في الرسم بمدينة مولينبيك التي ولد فيها، وقد عانى كثيراً لعدم استطاعته محادثة الآخرين، ولا حتى سماع ما يقولونه، لكنه تمكن من تجاوز كل الصعوبات، ليلتحق بعدها بأكاديمية بروكسل للفنون، ويطور موهبته ويصبح أحد أهم فناني عصره. حيث يكاد لا يخلو متحف من متاحف بلجيكا من أعماله المليئة بالحساسية والعاطفة التي عكست معاناة وبؤس الناس في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتجاوزت أهميته حدود بلجيكا، لتنتشر لوحاته في متاحف عديدة بدول أخرى، وتترك أثراً وعاطفة في نفس كل من يشاهدها. كما في لوحته الكبيرة (المهاجرون) التي ظهرت فيها الكثير السمات التعبيرية، والتي رسمَ فيها عشرات الأشخاص، يسيرون بملابسهم الرثة متلاصقين مع بعضهم على طريق يحاذي البحر، بإنتظار وصولهم الى الميناء، كي تأخذهم السفن بعيداً الى العالم الجديد، وقد بدا عليهم الإجهاد وهم يحملون ما تيسر لهم من أمتعة، يتوسطهم مجموعة من الأطفال، حتى كلب القرية أخذ مكانه سائراً بين الجموع. كانت بيوت هؤلاء المهاجرون تبتعد نحو عمق اللوحة، فيما هم يسيرون بوجوه مُتعبة نحو مستقبلهم الغامض والمجهول. وفي الوقت الذي يسحبون فيه خطواتهم الثقيلة، يلتفتُ بعضهم نحو قريتهم البعيدة التي تركوها، حيث ينتصب برج كنيسة القرية كإنه شاهد قبر وسط البيوت المغطاة سقوفها بقرميد أحمر. تأملتُ كل تفاصيل اللوحة، وبدا لي هذا الفنان كإنه مخرج مسرحي حوَّلَ سطح اللوحة الى خشبة مسرح يحرك عليها شخصياته الملحمية بطريقة بالغة التعبير.
تنقلتُ بين بعض متاحف بروكسل لأرى لوحات هذا الفنان صاحب الموهبة الفريدة الذي رسمَ موضوعاته الاجتماعية بـاسلوب تعبيري يتناسب مع شخصياته المُحبطة والمُتعَبَة والمنكسرة. لكن رغم هذا الإنكسار، تقف فرشاته شامخة لتقول كلمتها في النهاية، إنها تشبه ضمادة لآلام الناس، وهي المعادل النفسي للعزلة والإنكسار الذي كان يشعر به الفنان، الذي أتخيلهُ كيف كان يمسك فرشاته وسط مرسمه الساكن، وكإنه يتمثل الجانب المضيء من أبله ديوستوفسكي أو أحدب فكتور هوغو اللذان نالا الكثير من السخرية والسخط رغم ما يحملانه من قوة وعاطفة وجمال داخلي. وهكذا هو ليرمانس ولوحاته التي حوَّلَتْ الفلاحين والعمال الى أبطال دخلوا المتاحف والتاريخ على حد سواء.
منحَ هذا الفنان كل طاقته لرسم عمال المصانع والمزارعين وحتى المشردين في قريته مولينبيك، رسمهم من الخلف أو الجانب متراصين على شكل مجاميع، وكإنهم يقاومون تقلبات القدر والطبيعة وظروف المعيشة القاسية، بظهور منحنية تُعيدنا الى شخصيات مواطنه الرسام العظيم بيتر برويغل، الذي تأثر به وبملامح شخصياته وأجسادهم الهزيلة وإلتصاقهم ببعضهم البعض. حتى إختيار ألوانه البنية الشاحبة المتقترة الكابية، كان إنعكاساً للعوز الذي كان يشعر به وللحساسية التي يحملها أزاء الناس منذ بداية صباه، حيث شاهد أثناء دراسته بمدينة ويميل، بعض الرجال يخرجون غريقاً من الماء ويحملونه بمحاذاة جدار أبيض طويل على جانب كنيسة القديس سيرفاتيوس، فما كان منه سوى أن يرسم الغريق في لوحة تعبيرية تحمل الكثير من الدراما، ثم رسم ذات الجدار الطويل في لوحات كثيرة جداً، لدرجة إن الناس يطلقون الآن على هذا الحائط الذي مازال موجوداً، إسم (جدار ليرمانس).
في الفن البلجيكي يوضع ليرمانس بمكانة واحدة مع جيمس أنسور. وقد ظلَّ يرسم الى أن داهمه العمى وهو في أوج ابداعه، ليفقد كل حواس التواصل مع الناس، وهو يردد كلمته التي باتت شهيرة (سلاماً لمن يرى). إنعزلَ هذا العبقري في مرسمه في نهاية حياته حتى رحلَ وحيداً. لكن رغم ذلك بقيت لوحاته خالدة وتجذب عشاق الرسم من كل مكان