TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: في الفراغ إنْ ظلَّ فراغاً

قناطر: في الفراغ إنْ ظلَّ فراغاً

نشر في: 17 أكتوبر, 2023: 11:55 م

طالب عبد العزيز

اليدُ الغليظة تمسك بي، اليدُ الخشنة السمراء ترفعني، الى نجم في فضائها، ومن هناك رحتُّ أطلُّ على الزمان والاشرعة والنساء. اليدُ الكبيرة بالاصابع الصفصاف، ليست اللينة، مخلوقة الحرث والغرس والجني، حسب. تمتدُّ فأتعلق بها، وتنثني فتكون عرجون سعد ومباهج،

وتنبسطُ فأنام. في النهار تمتدُّ أبعد من مدى السهر والتعب والحمى، تلمُّ الشموس والنهارات الخائنة، وتحجب الاذى عن حقل اللوبياء، وقيعة الضوء، وفسحة العنب، وفي الفجر تختلف على كلِّ نهر ومسمَّى للريح، وقبل أنْ يهدَّها الليلُ تحيلُ وشائعَ الخوص حبالاً واسرةً وكركرات.

اليدُ الطويلة التي تنعقدُ على الماء، وتتلوى مثل كوسج حوصر بالقصب، تنطبق على كل سعف وليف، وتنفتح على كلِّ أزرقَ وأخضرَ وسؤدُد، هي بأسُ كلِّ محراث ومنجل، وعاطفة كلِّ باقة ورد وآس، ووئام كلِّ وسادة بلقالق، ومن شجرة توت تعملقت في الريح الى كلِّ أجاصةٍ لم تظفر الشمسُ بآمادها بعد، كانت تذهب وتأتي، وكنتُ اصغي، وهو يطعمها الضوء والماء في جردل واحد. اليدُ الطويلة تأخذني الى ما صار جمراً في موقد روحه، ومن باطنها، من عرق غائر بيده أستل اسياخ الحلواء، وما لا أبارحه الساعة، وما لم أجده في خزائنه اليوم.

اليدُ الطاهرةُ بالدراهم الصمّاء القليلة، التي تنبسط في العيد، عن حلقوم ونحاس وقلائد فضة، يقبلها كلُّ ابنِ عمٍّ وشقيق، وتطلبها كلُّ امرأة من وراء خفر وحياء، تظل ممدودة حتى آخر النهار، العصافير تقربها، وتلطع أنفاسَها الحِملان. ما خلقت إلا لتهب، وما غلظت إلا لتترفق بالفواخت والشجر. تعملقت لتخرس الذئاب، وتعففت لأنَّ الحاجة بابُ في الكبرياء. أنا ذاهب اليها وآيب منها، لا أهتدي لطريق إلا بها، ولا أعرف عن الغياب بحضورها، أنا غنيٌّ بها، ما اتخذتُ من وهن لجسدي حائطاً، وفقيرٌ لها ما حييت، أطلبها كأحاسن ما طلبت، ويذكّرُنيها فزعٌ قديم. يرقد الدهرُ عنها فتمضي، في كلِّ حقٍّ فيه تمرٌ ولبن. أجيئ غوايتها من باب الفاقة والصبر، فأجدها تطرز الظلماءَ بأردية الشمس.

اليد مطويةٌ تحت الرأس، والوسادة تبلى، هذا الظلام حائك قديم، ومُلاءة الليل مهزومة بمخلب الفقد اسفل السرير، العناكب والوزغ الحقير يعبرها الى جحر في الحائط، واليد مطوية ما تزال، تراودها حاجةٌ في أن تكون، لكنها لا تكون، وتدمغها ظلمةُ ما بعد المغيب فلا ترى. سنة أخرى تمرُّ واليد معطوفة على متأخِرٍ في الزمان، قديمٍ فيه، وقد كفت حتى عن أن تبقى مطويةً بافتراض البقاء هذا، كأنها لا شيء، واخشى أن يكون قليلاً، كانها تريدُ نسخ المعرفة في كلام عن المعرفة، وتمرير الدعة في علبة ضيقة للسكون، الذي يغطي السرير. في حضرة اليد، مقطوعة الأسباب اليوم، من الحكمة ألا تجعل الأحمر عميقاً في اللوحة.

اليدُ تومئُ خارج النعش، محمولةً على مقولة الحرث والغرس والجني، رقائقُ الخشب كسَّرهُا الشيخُ في المغتسل، وحُمِلَ الجسدُ، بعيداً، عن سرير الألم والوزغ والعنكبوت، وعالياً فوق المركبة المسرعة تناهبته الريحُ. هو لا يتوقف في مقهى على الطريق، ولا قرب مرعى في القفر ذاك، لكنَّ اليد تبعث برسائل الى الملح. ما يبقى لن نجده، هو ما نبحث عنه، أما اليدُ الغليظة الطويلة الطاهرة المطوية ستظلُّ تومئُ في الفراغ، إنْ ظلَّ فراغاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram