TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: البرابرة القادمون

قناطر: البرابرة القادمون

نشر في: 24 أكتوبر, 2023: 11:11 م

طالب عبد العزيز

قبل واقعة النهروان، بين الامام علي والخوارج يقول أحدُهم أبا حمزة الثمالي، الخارجي"لو حلقت رأسَك يا أبا حمزة. فيجيب:" حتى أصبحُ، وأعلم أهي لي أم ليست لي" ضمن هذا الموقف، الذي يقع بين حديِّ الحياة والموت يحار أحدُنا ماذا يكتب! وكيف يكتب، والحرب على ابواب غزة بكل آلتها، وقد تكبر فتدخل علينا بيوتنا، وتأتي بغبارتها على رؤوسنا، قبل أقلامنا وأزرار حواسيبنا، فمرامها هذه المرة أبعد من كل مرام، ونحن على الفرقة والضعف والهوان الذي نحن عليه.

ينبغي علينا تأجيل مواعيد الحب والسهر واستقبال المحبين، ذلك لأنَّ الحرب لن تفرّق بين كاس الماء وكاس النبيذ، ولن تفرّق بين الجسد الحبيب والجسد القتيل، ولن تترك لنا بهجة الذهاب الى المطعم الانيق، حيث يأخذنا أولادنا، فرحين بأول راتب يتقاضونه، ولندع ثيابنا الجديدة في خزائنها، هامدة، إذ لا يليق بنا استقبال الوحوش، بثياب جديدة انيقة، فنحنُ في أثينا جديدة، والبرابرة قادمون لا محالة، وكافافي يؤكد قدموهم هذه المرة، حكامنا يعلمون ذلك، وينتظرونه معنا، لا لأنهم أساؤوا لنا وأذلونا، نحن شعوب الرملة هذه، حسب، بل لأنهم متأكدون بأنهم سفلة وخونة وبائعو أوطان.

كان هولدرين قد قال"الشاعر الحر هو الذي يتطابق مع كينوته". هل يشكُّ أحدنا بأنَّ كينونته سليمة، وعلى ما يرام؟ بل هل نملك كينونةً كما ينبغي، نحن، وبسبب حكامنا، نقع خارج التصنيف في آدميتنا. ثلاثة أرباع القرن مضت، ومازلنا عاجزين عن الشروع بصناعة انسان حقيقي، قادر على تسويق نفسه، بوصفه إرثا حضارياً، وتاريخاً مشرقاً، لأمة كانت العلامة الفارقة في مشرق الشمس ومغيب الظلام، ولم يكتف حكامنا بهذا الفقد، فقد عملوا على تكذيب كل ما كان لنا ذات يوم، بأفعال خسيسة، يندى لها جبين الوجود. يؤسفنا أن نقول بأنَّ كينونتنا لم تتحقق بعرق ولا دين ولا حزب. ثلاثة أرباع القرن والعالم منشغل بنا، نبكي مدناً تضيع، فتضيع أخرى لنبكيها، وهكذا صرنا نراكم مآتمنا وأيدينا داخل قناطر بنادقنا، لا لنقتل العدو إنما ليقتلنا حكامنا.

بعد إبادتهم على يد البيض اعتقد الهنودُ الحمر بأنَّ السحر هو الشيء الوحيد الذي ينقذهم من الفناء. هل بلغنا الاعتقاد بأنَّ الذلَّ والشعرَ والموسيقى والغناء أيضاً هي القادرة على انقاذنا من فنائنا المحتوم؟ ثم ماذا يعني وجودنا في عالم يحتقرنا، يقف ببوارجه أمام سواحلنا، ونكتفي بالبصق عليه؟ يبني أكبر سفاراته على أرضنا ولا نقف على بوابتها متظاهرين؟ في رواية مستر فيرتيجو لبول أوستر يطير والتر، مرتفعاً عن الارض ثلاثة أقدام أول مرة، وتتحقق نبوءة اليهودي، معلمه، فيقول له: تخيّل وأنت تطير لمدة 15 دقيقة، يسأله والتر مثل طائر؟ فيقول اليهودي:" لا، مثل إله. هذه النظرة الامريكية الرأسمالية في السيطرة على العالم.

نحن أمام حواسيبنا المقدسة نفعل ما يشبه رقصة الهندي الاحمر في القرن التاسع عشر بواجهة المستعمرين، نهتز ونرتج بجنون، نكتب ونتمايل في اسطواناتنا المقدسة، وفي افواهنا لبانٌ مرٌّ كثير، نطهّر به عفونة ما يتوجب علينا قوله، وفي أقدامنا حديد غير قابل للكسر، بل لا نجرؤ على كسره، نريد أن نجعل من حروبنا غير محتملة. يورد نجيب المانع كلمة للمعري فيقول على لسانه:" علامة الوقار في جدار الصمت". لا أحد بيننا يريد لرأسه ما أراده الشيخ الثمالي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram