TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > إلـى روائية

إلـى روائية

نشر في: 26 نوفمبر, 2012: 08:00 م

كيف يجري تصنيع رجل، روائياً، بمواصفات نوعية، إلى الحد الذي تخضع له كاتبة الرواية ولا تستطيع الفكاك من سطوته؟
يقول الروائيون إن الشخصيات كثيراً ما تتمرد على صانعها الروائي.
إن سرد لعبة حب، هي لحمة الرواية وسداها، يأخذ الجميع إلى تلك المنطقة الملتبسة من الكتابة والقراءة، أعني بالجميع: المؤلف والشخصيات والقارئ والناقد، جوقة كيانات باحثة عن معنى وجودها في عالم افتراضي لا وجود له.
يتسرب الرجل (البطل) المحبوب من الرواية إلى خارج الرواية بثقة كبيرة.. من الكتاب إلى الشارع.
أعرف روائيين كتبوا بعاطفة خاصة، وعاطفة المرأة – الروائية – أكثر خصوصية، فالروائية عندما تحب بطلها الروائي تكتب بعبقرية العاشقة أكثر مما تكتب بمهنية المؤلفة وخبرتها التقنية، وهذا ليس ضعفاً لأن العمل الأدبي سيأتي مثقلاً بالحياة أكثر منه خاضعاً للهندسة الميكانيكية (ميكانيزم) التي يتطلبها التأليف.
شخصياً، لا أحب كلمة (التأليف) لأنها تنطوي على شيء من التلفيق، رغم أن الشائع عن كتاب الروايات،  وغير الروايات، أنهم "مؤلفون".
كنت أفضل أن أكتب رسالة وأبعث بها عبر ما متاح من وسائل اتصال، حديثة أو قديمة، إيميل أو هاتف أو بريد عادي، لكنني لم أجد ما يصلني بك، وإذ يئست قلت لأنشر هذه الرسالة في الصحافة علّها تبلغك، على أن يأسي لم يكن ميئوساً منه، فثمة هاجس ما زال يلازمني في أن أعثر عليك ذات رواية جديدة أو عنوان بريدي أو إيميل، وربما مهرجان ثقافي رغم أنني شاعر غير لائق للمهرجانات.
إنها المرة الأولى، في حياتي التي أمضيت شطرها الأكبر في القراءة والكتابة، أقرر أن أكتب رسالة إلى مؤلف، روائي، روائية.
للروايات، فعلاً، طاقة غير عادية، على رسم، أو إعادة رسم، خرائطنا التي نتخبط فيها، وبمقاييس رسم على غاية الصغر (قياساً بالحيوات الشاسعة للعالم الفسيح) خرائط الأرض والبشر والكلمات.
أكتب لك، بعد أن قرأت رواياتك كلها، وأنا في حال ملتبسة، غائمة ومختلطة. حال الأكثر من معجب والأقل من عاشق، بكل ما فيها من التردد والقلق والخوف والإعجاب والجدارة بموقع خاص جداً، ومصدر هذا كله هو أن المشاهير يعاملون أقرب الناس إليهم كمعجبين.
وضعتني روايتك الأخيرة، مثلاً، أمام سؤال يتكرر، بل صار سائداً، للأسف، هو سؤال "الكتابة النسوية" وهذا شكل من أشكال "الأباراثيد" الثقافي لإبادة أي كتابة خارج نطاق الثقافة الذكورية.
صحيح أن للمرأة الكاتبة حساسية مختلفة إزاء الظواهر والمشكلات والعلاقات الاجتماعية وطريقة في النظر إلى الكون بجمله، لكن العبقرية لم تقتصر، عبر التاريخ، على الذكور، إلا ما يتعلق بالشروط الاجتماعية القاهرة التي تتعرض لها المرأة للاستقالة من عقلها وأسلوب استعماله، وجرأته في التصدي للمحرم والممنوع والخطير.. كانت قراءة الكتب، وحدها، فعلاً جنائياً، في العصور الوسطى الأوربية، وفي عالمنا العربي، يمنع الكثير الآباء، اليوم، بناتهن حتى من إكمال دراستهن المتوسطة.
لم أجد في كتاباتك، لحسن الحظ، أي إشارة أو فكرة أو رمز بشأن العصاب النسوي الذي يتمسك به بعض المثقفات العربيات في خندق "الفيمينست" ليصبحن أكثر عنصرية من أكثر العنصريين الذكور تطرفاً.
الكتابة ليست سوى حالة ارتياب، سواء كانت كتابة رواية أو رسالة.
أكتب لك هذه الرسالة الخاطفة، المخطوفة، التي لا أريد لها أن تقف في الطابور لتحظى بتوقيعك للمعجبين، ولأنني شاعر يضيق بالطوابير فهي لن تصلك وفق الطرق الأصولية (الأصولية!) فالتفتي، وأنت تقفين في شرفتك المغمورة بالضوء، إلى تلك الناحية، لتجديني بانتظارك، بعيداً عن طابور المعجبين المهووسين في جمع تواقيع المشاهير لا غير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram