TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: البصريون يحتفلون سياسياً بأعياد الميلاد

قناطر: البصريون يحتفلون سياسياً بأعياد الميلاد

نشر في: 30 ديسمبر, 2023: 09:11 م

طالب عبد العزيز

قبل ثلاثة أيام من عيد الميلاد وحشود البصريين تملأ شارع الكورنيش، على شط العرب، بشكل لافت. وهناك اختناقات في الطرق والشوارع والتقاطعات في عموم البصرة، عشرات الآلاف قدموا من أقاصي الضواحي والاقضية في تهيئة للإحتفال بأعياد رأس السنة الميلادية،

في مشهد قيل فيه بانه ينافس احتفال الناس في المدن الاوربية. من رأى أفواج الشباب وهم يطوفون الشارع الطويل الجميل، وهم يرقصون تحت الاضواء ومصابيح النيون الملونة، أو أمام النافورة الجميلة، مستمتعين بأجواء الشتاء الدافئة هذه الايام، أو وهم يرددون الأغاني والشعارات بما يعيدنا الى احتفالاتهم بالعاب خليجي 25 التي كانت لهم في العام الماضي، سيقول بأنَّه مشهدٌ كرنفاليٌّ أقل ما يقال عنه أنه يخلب اللب.

قد يبدو الأمرُ خادشاً للحياء السياسي، والشعور الوطني والقومي- هل ثمة حياء سياسي؟- فالحرب في غزة ما تزال قائمة، والعالم يتضامن مع الشعب الفسطيني، الذي يتعرض لأبشع هجمة وحشية على يد المجرم نتنياهو وحكومته الصهيونية. في ظاهر الامر نعم. لكنْ، لا أنكر على الشباب حقهم في الاحتفال مثلما لا أعدم فيهم غيرتهم وشجاعتهم، ولو طلب منهم الذهاب الى هناك لذهبوا، ولقلبوا موازين القوى، وسيصنعوا مالم تشهده الساحات، لكنَّ ذلك سيكون لو كانت الزعامات السياسية صادقة في المنازلة، وقادرة على اتخاذ الموقف الحق، غير المحدّد والمقيّد بالارادة الخارجية (أمريكا- ايران). وهنا نقول: لا سبيل لمزايدة على وطنية العراقي، ولا يمكن اختزال تاريخه المشرف من قضية فلسطين. لا يمكن قراءة المشهد هذا قراءة أحاديةً، أو يتم تصويره على أنه كرنفال حسب، ولا صلات تربطه بواقع العملية السياسية، والانتخابات الاخيرة، التي يتعرض الفائزون فيها الى التسقيط والضغوط من الداخل والخارج.

لم يكن الأمر غريباً، ففي سبعينات القرن الماضي، وبمناسبة عيد رأس السنة الميلادية، كان شارع الكورنيش يزدحم بالاسر البصرية أيضاً، وهناك احتفال شعبي، يقام بعفوية مطلقة، يخرج البصريون فيه، معبرين عن أفراحهم وسعاداتهم، يشاركون أشقاءهم المسيحيين في مدينة آمنة وادعة، لكنَّ الشباب يؤثرون شارع الوطني للاحتفال في الليلة تلك، حيث تكون الكافيهات والمطاعم والبارات مستعدة لكل شيء يتعلق بالاحتفال، أما نحن الشباب آنذاك، المنتمين الى اليسار العراقي فقد كنا نستثمر الليلة تلك للتعبير عن وجودنا السياسي، وعن حبنا للحياة والمدنية وتطلعنا الى مستقبل آمن ضامن لنا، غير مخترق من رجال الامن والاستخبارت، الذين كانوا يقفون على جانبي الشارع، يتسقطون شعاراتنا ويلتقطون صورنا، في فعل من افعال الخسة البعثية المعروفة.

ما يقوم به الشباب في شارع الكورنيش اليوم على ضفة شط العرب الجميلة لا يختلف عن ما كنا نقوم به آنذاك، مع الفارق بين الزمنين، هو تعبير عن حسن سياسيٍّ عالٍ، ورفض واضح لما تعمل عليه الجهات السياسية الضاغطة(الاطار)التي تريد جرَّ العملية الى منزلق المصادمة من خلال سرقة أصواتهم، التي خرجت معبرة عن تأييدها لما قام به محافظ المدينة اسعد العيداني، الرجل الذي مهَّد وأسس وصاغ وأخرج الشارع بحلته الجميلة هذه لهم. التظاهر هناك جزء من استمرار الدعم والمناصرة لمدينهم ولنتائج الانتخابات ولصديقهم العيداني، الذي غيَّر وجه المدينة ومنحهم فرصة التعبير عن مشاعرهم في مكان نظيف وجميل وآمن.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. عدي باش

    هل علينا أن نمتدح (متصرف) البصرة ، لأنه أتاح للناس الأحتفال في أجواء آمنة و ساحة نظيفة ؟! .. ما هكذا تورد الأبل يا صديقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram