TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الأمريكي البشع

قناطر: الأمريكي البشع

نشر في: 13 يناير, 2024: 10:09 م

طالب عبد العزيز

في سبعينات القرن الماضي، وعلى الارصفة، حيث يباع الكتاب بدرهم، كان يطالعني عنوان كتاب(الأمريكي القبيح – أو بترجمة أخرى الامريكي البشع، لوليام ج. ليدرر) لم أقتنه في حينها، ربما بسبب عنوانه الصادم، أو لأن صورة الامريكي لم تكن بالقبح الذي يشي العنوان به،

لكنَّ الحرب في فيتنام وأخبار الجرائم التي يرتكبها الجيش الامريكي هناك بحق المدنيين كانت قد افصحت عن الصورة القبيحة للأمريكي البشع، أمّا جملة محمود درويش الشهيرة(أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا) فقد كانت الاكثر دلالة وفصاحة، عن دولة هي الاقبح والابشع في دول العالم.

ظلت الصحافة العراقية تحدثنا عن جرائم الحكومات الامريكية باستمرار، ولم تقر في الذات العراقية صورةٌ مغايرةٌ عنها، أبداً، قبل طغيان الجرائم التي ارتكبتها الحكومات العراقية في شباط 1963 وحتى سقوط النظام في 2003، الذي قلب المعادلة، وجعل من أمريكا فردوساً في أعين العراقيين، الامر الذي لاحظناه أثناء دخول قوات التحالف بغداد والمدن الاخرى، وما صورة باقات الورد التي قدمها البعض من السذج الى الجنود الامريكان بغائبة عن أعيننا بعد، وهكذا، أبدل النظامُ بظلمه وجرائمه صورةَ الامريكي القبيح من مجرم وقبيح الى ملاك ومنقذ.

بعد 2003 و بقبولها مشاركة الجيش الأمريكي في دخول بغداد ستكون مجموعة الأحزاب الاسلامية في العراق قد كرست صورة الملاك المنقذ تلك، موهومة بالحرية والاستقلال والخلاص من الظلم، وما الصور التي كانت تنشر لأصحاب العمائم السود والبيض مع قادة الجيش الامريكي برتبهم العالية، مجتمعين على موائد الطعام إلا عين التكريس ذاك، وهكذا، وقع الشعب بعامته أسير الوهم، فيما تحدث العلمانيون واليساريون على حد سواء عن امكانية التعايش مع امريكا، على وفق أسس وقواعد الديمقراطية، واحترام إرادة الشعوب، في الحرية وتقرير المصير، وهو وهم آخر، الامر الذي سوّق الامريكي هذا بوصفه طوق النجاة من الدكتاتورية والانظمة الرجعية.

حين وصل وزير الخارجية الامريكي بلينكين اسرائيل بعد عملية طوفان الاقصى في السابع من تشرين الاول الماضي قال انا هنا كيهودي، وبعدها أعلن بايدن عن صهيونيته بقوله لو لم توجد اسرائيل لأوجدناها، وباحصائية بسيطة نجد أنَّ غالبية الطاقم الذي يتحكم بالجيش والسياسة والدبلوماسية والمال في امريكا هم من اليهود الصهاينة، وأنَّ أقرانهم هم الذين يقودون أوربا، والاتحاد الاوربي، ومجلس الامن الدولي، والمنظمات المتبرعمة منه، وبذلك سنفهم وبشكل أوضح لعبة(الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات)القذرة، التي ستحيلنا الى صورة الامريكي القبيح تلك.

لا نقول جديداً إذا أصبح العراق مرتهَناً بيد أمريكا. تلك حقيقة لا جدال فيها. وإذا كنا لا نريد الحديث في الاسباب فيتوجب علينا التفكير بالنتائج، وأظنها جليةً وواضحة. منذ أكثر من عشرين سنة والعراق بلا دور وطني وقومي، والمسؤول في الدولة العراقية ملجمٌ، لا يصرِّح بكلمة تدين أفعال امريكا واسرائيل، مع يقينه بانها كانت وراء نشوء القاعدة والزرقاوي، ومن ثم الدولة الاسلامية وداعش، وربما كانت وراء تاسيس عدد من المليشيات المسلحة، وأنها تتحكم بصادرات النفط، وحركة المال، في البنوك العالمية، وبهيمنة البنك الدولي، وإختراق السيادة في ايِّ وقت، وتعلم بخطورة الشركات الامنية، مثلما تعلم بوجود غرف مغلقة لمنظمات امريكية في شمال العراق، وهناك مناطق محظور على العراقيين دخولها، وهناك المزيد مما لا نعرفه ولن نعرفه.

الى متى سيبقى العراق رهينة امريكية؟ ومتى ستفيق الارادة العراقية من غفوتها؟ وإذا كان النظام السابق قد أسقط الروح الوطنية، وأوقف العراقيين على بوابة الحلم بالملاك المنقذ هذا الذي عززَّ الاسلاميون من وهم وجوده بينهم، ومنعوهم من الافاقة منه.. ترى، ألم يئن الوقت للتفكير بآلية الخلاص منها، والعمل على فك الارتباط المذل هذا، والخروج الى المصير الذي ينتظرنا، وهذه اسرائيل تفرض إرادتها على العرب المسلمين والمسيحيين في الشرق كله، دونما متصدٍّ لها، وقد تكشفت للجميع صورة الامريكي القبيح؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram