TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > رمضان والصيف والفقراء

رمضان والصيف والفقراء

نشر في: 29 أغسطس, 2010: 07:48 م

كاظم الجماسيفي الامثال الشعبية العراقية يشيع المثل القائل(الصيف ابو الفقير)..وذلك بالاستناد الى ان الفقير لن يحتاج في ايام الصيف الى الكثير من الملابس والمحروقات وعلاجات الانفلونزا، والتي تأتي في سلم اولويات احتياجات الناس في فصل البرد والامطار،
فصل الشتاء،وذلك لتوفير الحد الادنى من الدفء والحد الادنى من الصحة البدنية لهم ولاطفالهم، الامر الذي يصح الى حد بعيد، غير ان صيفنا هذه الايام يشذ عن تلك القاعدة، سواء في بغداد او في المحافظات، والذي لا يمكن وصفه الا بكونه غير انساني بالمرة، فقد تظافرت جملة احوال لجعله كذلك، فمن اين يتلقاها الفقير، وهو الشريحة الاعظم عددا من سكان العراق، أيتلقاها من بعض النخب السياسية غير الراشدة، وهي لاهية بصراعاتها الانانية للفوز بالصولجان؟ ولاترد على خاطرها مكابدات الناس الشديدة القسوة، ام يتلقاها من غضب الطبيعة المسلط بسموم جو الصيف الفائر بالحر؟ ام بالتزامه الديني في تأدية فرض الصوم في شهر رمضان؟جاري ابو جاسم يبلغ من العمر اثنين وخمسين عاما، واب لخمس بنات وولد واحد صغير السن، حاول ابو جاسم المستحيل لأن يجد له فرصة للتعيين على ملاك الدولة، ولم يفلح، كان يجابه على الدوام بكبر سنه..ولم يكن بيده ليحصل على قوت بناته اليومي سوى ان يمتهن (العمالة)، تلك المهنة التي تعد مضربا للمثل في القسوة والانهاك الجسدي، وصادف ان رأيته وانا مقبل على البيت، بعد نهاية الدوام، رجلا مكدودا محني الظهر، وثيابه الرثة ملطخة ببقايا الجص، نتبادل التحية سريعا، ومن ثم يدلف كل منا الى بيته..واحاول ان استرجع كيف انقضت ساعات عمل (ابو جاسم) الثقيلة في هذا الصيف اللاهب، والرجل صائم.اما ابو منتظر جارنا الميسور، يمتلك عمارتين واكثر من مورد رزق، راتب تقاعدي، ثلاث سيارات اجرة، ولديه موظفون، باختصار(الله فاتحها عليه)، فكنت اراه بدشداشته البيضاء ومسبحته الطويلة وعلائم العافية والراحة تفيض فوق وجهه، يمسك صوندة الماء قبل موعد الفطور بساعة، يرش الرصيف امام واجهة بيته، يرواغ الدقائق القليلة المتبقية ليثور مدفع الافطار..واحاول ان استرجع كيف مرت عليه ساعات النهار، والرجل صائم.وبمسحة بسيطة لضيم ناسنا المساكين، يتضخم السؤال عن كيفية مرور الساعات الشديدة الوطء على الحمالين المنتشرين بالمئات في اسواق الجملة، يدفعون عرباتها المختلفة الاحجام، فارغة او محملة، تحت خناجر اشعة الشمس التي تخترق يافوخ الواحد منهم بلا ادنى رحمة، والناس صيام.وعلى هذا المنوال نستطيع تعداد الكثير من المهن المرهقة الشديدة البأس على اجساد ملايين الفقراء المنتشرين في الارض بحثا عن قوت يومهم..من مثل الحدادين والنجارين وباعة البسطات على الارصفة وشتى اصناف الباعة المتجولين والفلاحين والحدقجية والسواق العمويين والكثير من المهن المرهقة الاخرى التي لا تسعفنا الذاكرة بإيرادها..والناس صيام.وتمضي ايام صوم رمضان الشاقة، تغذي مشقتها روافد عدة لعل انقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع اسعار المواد الغذائية الاساسية، وغياب مفردات الحصة التموينية وسوء الاوضاع الامنية المقلقة، وغيرها من الروافد التي كلها تحسب بكفة، ولعبة القط والفأر في تأخير تشكيل حكومة وطنية تتوفر على الاحساس بمعاناة الناس..ورمضان كريم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram