TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > المواطنة الرقمية ودورها في تحقيق الاستخدام الأخلاقي لمواقع التواصل الاجتماعي

المواطنة الرقمية ودورها في تحقيق الاستخدام الأخلاقي لمواقع التواصل الاجتماعي

نشر في: 29 فبراير, 2024: 12:55 ص

د. طلال ناظم الزهيري

إن تعريف مواقع التواصل الاجتماعي على أنها شبكات اجتماعية فقط يعد تجاهل غير مقصود عن التأثير العميق الذي أحدثته على عالمنا. إذ لا يمكن أن نتغاضى عن أن ظهور تلك المواقع كان قد أسهم في إحداث تغيير جذري في الطريقة التي نتواصل بها مع الآخر وكيف نشارك المحتوى ونعبر عن آرائنا بحرية ودون قيود.

لقد أسهمت هذه الشبكات في تمكين الأفراد من نشر المحتوى الخاص بهم ومشاركته بسهولة مع جمهور متنوع من الأصدقاء والمتابعين، ومع توجه الشبكات الاجتماعية نحو تقديم خدمات التسويق والإعلانات التجارية التي تتطلب الوصول إلى جمهور عريض، كان عليها التغلب على الحواجز اللغوية والجغرافية، والاعتبارات الطبقية والعمرية، وتخفيف قيود وإجراءات التسجيل إلى الحد الأدنى، فضلا عن العمل على استحداث وتطوير خدماتها، الأمر الذي ساهم في زيادة كبيرة في عدد مستخدمي تلك الشبكات حتى أقترب عدد المشتركين في عموم الشبكات الاجتماعية من 5 مليارات مستخدم على المستوى العالمي.

إذ يشير موقع (Global social media StatISTICs) في أحدث إحصائياته إلى أن هناك 4.76 مليارات مستخدم فاعل في عموم وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم حتى نهاية عام 2023، أي ما يعادل 59.4٪ من إجمالي سكان العالم. مع هذا العدد الهائل من المستخدمين وفي بيئة جامعة تحمل في طياتها العديد من التناقضات على مستوى الثقافة والعادات والتقاليد، فلا شك أنها كانت خصبة لانتشار الظواهر والممارسات البعيدة عن القيم المجتمعية السائدة هنا أو هناك. فما هو جائز ومباح في الغرب قد لا يكون كذلك في الشرق والعكس صحيح. ورغم اعترافنا بأهمية التقارب بين الثقافات وتبادل المعرفة والاستفادة من مظاهر التقدم العلمي والحضاري بين الشعوب، يجب علينا أيضا احترام الخصوصيات التي تميز كل مجتمع عن الآخر. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في الطريقة التي يمكن بها تحقيق هذا الهدف. خاصة وأن الفضاء الرقمي اليوم هو مساحة مفتوحة ومن الصعب الالتزام بشروط محددة تناسب الجميع على نوع المحتوى أو طريقة تقديمه. وبالتالي، ترك للمستخدمين من صناع المحتوى الحرية المطلقة في اختيار نوع المحتوى وطريقة عرضه. دفع هذا بعضهم، ولاعتبارات الربح في النتيجة النهائية، إلى المبالغة في تجاهل بعض القيم المجتمعية وتجاوزها من خلال نوع وطريقة تقديم المحتوى الذي يغلب عليه جانب الإثارة والتفاهة والسطحية، مقابل نسبة محدودة جدا من المحتوى الهادف. وفي سياق متصل أجبرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية شريحة كبيرة من الشباب العربي على التوجه نحو شبكات التواصل الاجتماعي من أجل الترويج لهواياتهم ومهاراتهم على أمل أن يحققوا الشهرة التي يطمحون إليها في المجال الذي يبرعون فيه. وهذا جانب إيجابي لا جدال فيه. لكن مع ظهور منصة TikTok والتسهيلات التي قدمتها لبث مقاطع الفيديو في فترة زمنية محددة مسبقا. هذه الأمور مجتمعة ساهمت في تحويل أنظار معظمهم إلى هذه المنصة لمشاركة محتواهم من مقاطع الفيديو التي يغلب على أكثرها كما اشرنا الجانب الترفيهي والسطحية إذا جاز التعبير!. مقابل ندرة المقاطع الهادفة التي تحمل رسائل إنسانية واجتماعية مهمة. بالتالي مشكلتنا اليوم، هي في تنامي ظاهرة مشاهير TikTok الذين غالبا ما كان لهم تأثير سلبي على ثقافة ومواقف المجتمع المتلقي في جميع أنحاء العالم العربي، خاصة أولئك الذين تنقصهم الثقافة الرقمية. ومع الأرباح المادية التي تقدمها المنصة والمشروطة بعدد المشاهدات والمتابعين وعدد المقاطع بادر الكثير من الذين يطلقون على أنفسهم صناع المحتوى إلى التمادي في نوع ومحتوى مقاطع الفيديو التي تبث من قنواتهم لتشمل كل شيء تقريبا حتى تلك الأمور التي كانت تعد من المحرمات في منظور المجتمع العربي. لقد بات من الأهمية بمكان تسليط الضوء على تنامي ظاهرة مشاهير TikTok في العالم العربي والأثر السلبي الذي يمكن أن يحدثوه على ثقافة ومواقف المجتمع مستقبلا، واليوم بات لزاما علينا أن نثقف على أهمية الاستخدام المسؤول والأخلاقي لوسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما فيما يتعلق بنوع ومحتوى مقاطع الفيديو التي تتم مشاركتها على TikTok. كما نؤكد على ضرورة الالتزام بثوابت الاخلاق الرقمية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بصرف النظر عن دورهم في النشر أو التلقي وذلك للحد من انتشار المحتوى الذي قد يكون غير مناسب أو مسيء أو ضار. والذي قد يكون له تأثير سلبي على ثقافة المجتمع وقيمه مستقبلاً، بالتالي، فإن فهم ظاهرة مشاهير TikTok وتأثيرهم على الشباب العربي أمر مهم لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي، لأجل حماية القيم والهوية الثقافية للمجتمع، من دون التجاوز على مبادئ حرية التعبير التي تكفلها الدساتير. وتجدر الاشارة الى إن التبني الواسع للتقنيات الرقمية والإنترنت من قبل مختلف شرائح المجتمع قد ساهم بشكل مباشر في تطوير المفهوم التقليدي للمواطنة لاكتساب بعد جديد وهو المواطنة الرقمية. والتي تشير، وفقا لمعظم الخبراء في هذا المجال، إلى الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتكنولوجيا والموارد عبر الإنترنت، والقدرة على المشاركة في مجتمع رقمي بطريقة آمنة وإيجابية.

والجدير بالذكر إن مفهوم الصلاح في البيئة الرقمية لا يتخلف عن مفهومه في البيئة الاجتماعية التقليدية. باستثناء متطلبات التعامل مع التكنولوجيا. لذلك، يمكن القول إن مفهوم المواطنة الرقمية الجيدة سيكون مفهوما نسبيا يختلف من شخص لآخر اعتمادا على المهارات التكنولوجية المكتسبة، حتى مع الاعتراف بأن دوافع الإصلاح نفسها موجودة لدى الجميع. من هذا المنطلق فإن التنشئة الصحيحة للمواطن الرقمي سوف تركز على اكتساب المهارات وتطوير القدرات والقابليات للتعامل مع البيئة الرقمية سواء تم ذلك من خلال الأسرة أو المؤسسات التعليمية المختلفة، على أن يتم التركيز على استخدام التكنولوجيا بعناية ومسؤولية. واتخاذ التدابير الضرورية لحماية المعلومات الشخصية. كما نؤكد على أهمية توجيه الطلاب على التفكير قبل نشر أو تشارك أي شيء عبر الإنترنت ومراجعة التأثير الذي قد يكون للمنشور أو المشاركة على الآخرين. ولعل التثقيف على احترام خصوصيات الآخرين عبر الإنترنت وتجنب الابتزاز الإلكتروني والسلوكيات الضارة الأخرى. والالتزام بممارسة الآداب الرقمية الجيدة. واحترام حقوق الملكية الفكرية. لا بد أن تكون مضامين تربوية حاضرة في المؤسسات التعليمية كافة.

ومن هذا المنطلق ندعو وزارة التربية العراقية الى النظر في امكانية استحداث منهاج دراسية تتخصص في مضامين المواطنة الرقمية فضلا عن اهمية تنفيذ برامج ثقافية وتوعوية تهدف لتحقيق هذه الغاية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

العراق بلا كهرباء إيرانية: صفر ميغاواط بين التوترات والضغوط الدولية

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وسط خلافات سياسية

إيران تؤكد جاهزيتها الكاملة: كل الخيارات على الطاولة

قرار تربوي يخص امتحانات الطلبة التركمان

العدل تعلن إطلاق خدمة فتح الأضابير إلكترونيا في بغداد والمحافظات

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

 علي حسين ما ان هبطت بنا الطائرة في مطار القاهرة ، حتى وجدت ثلاثي النغم العظيم " ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، يستقبلون زوار مصر المحروسة بابتسامة اطمئنان ،...
علي حسين

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

سهيل سامي نادر كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب...
سهيل سامي نادر

المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما.. دورة كاملة للسياسة العراقية

د. اياد العنبر ‎ لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم ‎في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد...
اياد العنبر

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

د. أمجد السوّاد لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد. غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا...
د. امجد السواد
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram