TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: درس في السرقة

العمود الثامن: درس في السرقة

نشر في: 3 سبتمبر, 2010: 06:04 م

علي حسينأحياناً أحاول ان أتخيل بماذا  يفكر المواطن  الأوروبي  وهو يقرأ كتابا او صحيفة، بالتأكيد ستكون اهتماماته متعلقة بأحدث إصدارات دور النشر وهناك من يهتم بشؤون البيئة أو البحث عن اماكن لقضاء أيام الإجازات، و هناك بالتأكيد  قراء سيذهبون لتتبع أخبار المشاهير، او معرفة انواع جديدة من الزهور يزينون  بها الحدائق، وأتخيل القارئ العربي على قلته وهو ضجر من الصحيفة وأخبارها التي لا تحمل الا وعدا بالخراب، وامالا بالخوف والرعب وأحاديث عن الفساد الذي استشرى في كل مكان.
ولأنني لا أريد ان ادخل القارئ في نفق مظلم سأتحدث عن الكتب، فقد وقعت عيناي على خبر يقول ان كتاب " التاو " حقق مبيعات قياسية في المكتبات السويدية بحيث عد الكتاب الأكثر مبيعا هذا العام.والتاو كتاب في الفلسفة كتبه الفيلسوف الصيني لاوتسو، وهو معاصر لكونفشيوس، ويعده الكثير من الدارسين للفلسفة الصينية الفيلسوف الأول،وقد تصدى لترجمة الكتاب للعربية اثنان من اهم فلاسفة العرب المعاصرين وهما الدكتور عبد الغفار مكاوي في ترجمة نشرت باسم (كتاب الطريق)، وهادي العلوي في مختارات من التاو في ترجمتين، الأولى في بداية الثمانينيات والثانية في منتصف التسعينيات، كتاب التاو عبارة عن قصص وأمثال وحكم ونوادر صيغت بأسلوب رمزي يجمع بين البساطة العميقة والشاعرية الأخاذة.يقول فيلسوفنا الراحل هادي العلوي ان أصل كلمة تاو في اللغة الصينية هو الصراط، وفي الفلسفة يصبح هو الطريق الذي ياتي منه كل شيء والذي ترتد إليه كل الأشياء.  من بين الحكايات التي ضمها كتاب (التاو) في ترجمة مكاوي  اخترت هذه الحكاية التي تفاجئنا بحداثتها برغم أنّها تعود إلى ما قبل ألفين و أربعمائة عام.والحكاية تقول: كان في بلاد "تسي" رجل يدعي "كوؤ" وكان غنيا جدا، وكان في بلاد "سونغ" رجل يدعي "هيانغ" وكان فقيرا جدا.ذهب الرجل الفقير إلى الغني وسأله ماذا فعل ليصبح غنيا؟! فقال له:"بممارستي السرقة.فعندما بدأت أسرق حصلت،خلال سنة،على ما يفي بحاجتي.وفي غضون عامين أصبحت في بحبوحة،وخلال ثلاث سنوات أصبحت موسرا ثم أصبحت من الأعيان، ولم يطلب الفقير المزيد من الإيضاحات،فودّعه والأرض لا تكاد تسعه من الفرحة وشرع للتو في السرقة،يتسلق الجدران أو يثقبها،مستحوذا على كل ما يتفق ورغبته،لكن ما لبث أن ألقي عليه القبض.فأعاد ما استولى عليه إلى أصحابه وخسر زيادة على ذلك،القليل الذي كان يملكه من قبل،.ولاعتقاده بأن "كوؤ" قد خدعه،ذهب إليه ولامه لوما شديدا،فسأله "كوؤ"،وقد عقدت الدهشة لسانه:كيف تصرفت؟  وعندما روى له الفقير طريقته،صاح "كوؤ":لم أجمع ثروتي عن طريق هذا النوع من السرقة،فأنا سرقت بحسب الوقت والظروف،،فقد استحوذت على الاشياء قبل ان تصل الى الناس، إن كل ما عندي سرقته، ولكن قبل أن يؤول الى اي  شخص،أما أنت فقد سرقت ماتركته انا للناس، ماقمت به انا  سرقة عامة لا يعاقب عليها،أما ما قمت به انت فسرقة خاصة ويعاقب عليها ،إن الناس من امثالي يعيشون من سرقاتهم،دون أن يكونوا في هذا لصوصا.انتهت الحكاية واعتقد انها درس في السرقة، اكتشفه بعض مسؤولينا من دون ان يعرفوا من هو" لاتسو" ولا قرأوا" التاو" لانهم لا يقرأون اصلا. 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram