اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > سينما > سطوة الوهم وانحسار الواقع في بكاء السيدة الجميلة

سطوة الوهم وانحسار الواقع في بكاء السيدة الجميلة

نشر في: 27 مارس, 2024: 10:46 م

بغداد: عدنان حسين أحمد

من بين الأفلام الروائية القصيرة التي أنتجتها نقابة الفنانين العراقيين لمناسبة انعقاد الدورة الأولى لمهرجان بغداد السينمائي للمدة من 10 ولغاية 14 شباط / فبراير 2024م هو فيلم "بكاء السيدة الجميلة" المستوحى من قصة تحمل ذات الاسم للروائي المبدع عبد عون الروضان.

كتبت سيناريو وحوار الفيلم رويدة عباس، وتناصفت دور البطولة فيه شاهندة وألن ألبير إضافة لمشاركة الفنان محسن الجيلاوي، وسلوى الخياط، وفاطمة علي وأفنان علي. والفيلم من إخراج علي البياتي الذي سبق له أن أخرج فيلم "أغمض عينيك جيدًا" وتألق فيه كمخرج يعد بالكثير من الإبداعات النوعية القادمة.

يتناول الفيلم الذي تبلغ مدته 13 دقيقة فقط قصة امرأة عراقية تُدعى مريم ذهب زوجها يوسف إلى جبهات القتال واستشهد هناك لكنها ما تزال تعتقد أنه حيٌ يُرزق وأنها تتجاذب معه أطراف الحديث تارة، وتتشاجر معه تارة أخرى، ولا تريد أن تصدّق بأنه قُتل وواجه مصيره المحتوم في الحرب التي تأكل الأخضر واليابس على حد سواء.

يمكن القول بأنّ شخصية مريم هي شخصية إشكالية بامتياز وأنّ كاتبة السيناريو والحوار قد ركّزت على هذه العقدة التي تجمع بين طيّاتها الواقع والوهم وإن كان هذا الأخير يهيمن على مدار الفيلم، فمريم لا تعيش الواقع إلاّ ما ندر فهي تتحدث مع زوجها، وتستعيد معه الذكريات الجميلة، وتطلب منه ألاّ يذهب إلى جبهات القتال، وتحثّه على أن يدفع تعويضًا ماديًا لأنّ هناك الكثيرين الذين يمكن أن يذهبوا بالنيابة عنه. لقد نجح المخرج وكاتبة السيناريو في أن يقنعانا بحالة الوهم التي تعيشها البطلة مريم حتى ليشعر المتلقي وكأنه أمام حالة حقيقية تحدث على أرض الواقع. فمريم تنتظر منذ ست سنوات أن تُنجب أخًا أو أختًا لابنتها الوحيدة أمل، وأنها الآن بدأت تكبر وتقف على الحافة الحرجة وأنّ كل لحظة تمرّ عليها تعني ضياعًا لفرصة إنجاب مولود جديد تنتظره على أحرّ من الجمر.

تصر مريم على ألاّ يذهب زوجها إلى الحرب لأنها حلمت حُلمًا مُروّعًا رأت فيه مجموعة من الكلاب الشرسة تهجم عليه وقد حاولت أن تساعده لكنها لم تستطع ثم وجدت نفسها في خاتمة المطاف في مكان مظلم. يحاول يوسف أن يُقنعها بأنّ هذا النمط من الأحلام ما هو إلاّ مجرد كوابيس لا تمتّ للواقع بصلة ووعدها بألاّ يتركها لوحدها وأنه أكمل أوراق أمل وحينما يعود في إجازته الشهرية سيذهبان معًا ويسجلانها في المدرسة.

يطلب الوالد أن يخبروا مريم بأن تتهيأ لاستقبال الضيوف الذين سيأتون بعد قليل بهدف خطبتها لابنهم لكنها ترفض هذه الفكرة جملة وتفصيلاً وتعتبرها فكرة معيبة أن تتزوج وهي على ذمة رجل آخر تحبه وتخلص إليه. وأكثر من ذلك فهي تُعد الشاي الذي طلبه زوجها وتنتقد أهلها الذين لا يحترمونه ولا يقدّمون له حتى واجب الضيافة. يستقبلها يوسف بابتسامة ويستذكر معها بعض المواقف الطريفة التي حدثت لهما حينما كانا مخطوبين وخرجا لشراء بعض الحاجيات فسحبت ستارةالمحل وسقطت عليهما كل الستار المعلقة. ولا تنسى أن تعيد اللازمة التي تكررها عشرات بألاّ يذهب إلى الجبهة لكنه يرد عليها كالعادة بأنه ذاهب إلى تلك المضارب النائية لكي يحقق لها ولابنتها الأمان، فإذا لم يذهب هو، وتقاعسَ الآخرون فمن الذي يدافع عن حياض الوطن؟ وأنّ الرجال الأخرين الذين التحقوا بالجبهة ليسوا أشجع منه. كما أنه يؤمن إيمانًا عميقًا بأنّ لكل إنسان ساعته وأجله، وإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يأخذ أمانته فإنه يأخذنا الآن وهو جالس إلى جوار زوجته التي صنعت له الشاي حتى يبلّ ريقه الجاف. يستذكر يوسف بعض الحوادث الصغيرة التي تشكّل جزءًا مهمًا من ذاكرتهما الشخصية حينما ذهبا ذات مرة لمحل التصوير لجلب صورة العرس وانكسرت زجاجتها وبدأت تبكي لأنها اعتبرت هذه الحادثة الصغيرة فألاً سيئا فعادا إلى الأستوديو والتقطا الصورة من جديد. تطلب مريم من يوسف أن يخرج من غرفته ويتكلم مع أبيها لكنه يعتذر ويقول لها بأنّ العائلة تريد مصلحتها وأنّ لديه بعض المشاكل مع أبيها لكنها تنتفض مرة أخرى وتنتقده لأنه بدأ ينطق مثلهم وينطق بلسانهم. لا يمكن لهذا الجو المحتقن أن يستمر إلى الأبد ولابد لهذه الانفعالات المكتومة أن تنفجر، ولعل زيارة عمها وأولاده هي الدبوس الذي سيفجّر هذه البالونة المنتفخة إلى أبعد حد. فلقد جاء عمها لكي يطلب يدها إلى ابنه علي لكنها ما إن تصل إلى غرفة الاستقبال حتى ترفض العرض الذي تقدّم به عمها، وتدعي أنها امرأة متزوجة من يوسف وأنها ستطلب منه المجيء لكي يتحدث معهم لكن العم يغضب لأنه جاء بنفسه متحملاً أعباء السفر ليسمع هذا الرفض اللامبرر، فتنادي مريم على يوسف وكأنه موجود فعلاً في غرفته وحينما يدخل عمها إلى غرفتها لا يرى أثرًا ليوسف الذي استشهد قبل ست سنوات فيتهمها ثانية بالجنون وأنها أفقدت العائلة صوابها ولم يعد ينفعها شيء. تأتي ابنتها مريم من المدرسة فتطلب منها أن تظل بثيابها حتى ترجع إلى البيت مع أمها وأبيها. وبينما هي تحدّق في الفراغ وتتكلم مع زوجها الذي غيّبه الموت تنبري ابنتها أمل بالسؤال الذي يضع حدًا لهذه المتاهة وتقول:"ماما مع من تتكلمين؟ هل تتكلمين مع أبي؟ وهل أنّ أبي حي يُرزق أم أنه استشهد في الحرب؟ وبما أنها لم تجد جوابًا لهذا السؤال الصادم الذي أيقظ فيها حقيقة دامغة بأنّ زوجها يوسف قد فارق الحياة منذ ست سنوات طوالا فإنها تحتضن ابنتها وتخرط في بكاء حار يُعيدها إلى حقيقة الواقع المفجع الذي تعيشه الأسرة برمتها منذ استشهاد زوجها وحتى الوقت الحاضر.

لا شكّ في أنّ دور رويدة عبّاس، كاتبة السيناريو والحوار، كان مهمًا جدًا في تقديم قصة سينمائية خالية من الترهل والإطناب الأمر الذي مهّد الطريق أمام هيمنة الصورة البصرية على الخطاب الأدبي أو تخليص هذا الخطاب من لغته الأدبية في الأقل. كما أنّ قدرة المخرج الموهوب علي البياتي قد تجسدت في أشياء كثيرة من بينها إمكانيته الواضحة في إدارة الممثلَين مريم "شاهندة" ويوسف "ألن ألبير" بالإضافة الممثلَين الكبيرين محسن الجيلاوي وسلوى الخياط اللذَين تألقا في دوريهما وأتقناه بشكل لافت للانتباه. وأكثر من ذلك فإن المخرج علي البياتي استطاع أن يحقق رؤيته الإخراجية الفذة في توظيف القصة المُتقَنة أصلاً للقاص والروائي المبدع عبد عون الروضان كما أنّ معالجته الفنية لهذه القصة هي التي أمدّتها بعناصر نجاح إضافية أقنعت المتلقين والنقاد على حد سواء. نتمنى على نقابة الفنانين العراقيين، مُمثلة برئيسها الدكتور جبّار جودي، أن تواصل إنتاجها ليس للأفلام القصيرة فحسب وإنما تنتقل في الدورة الثانية لمهرجان بغداد السينمائي إلى إنتاج الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة وهي قادرة على ذلك طالما أنها تمتلك طاقمًا إداريا دؤوبًا يمكن أن يقود المهرجان إلى نجاحات قادمة لا تقل شأنًا عن المهرجانات العربية في أقل تقدير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

(وادي المنفى).. فيلم واقعي عن اللاجئين السوريين في لبنان

في ختام مهرجان "كارلوفي فاري" فيلم "غريب" للمخرج "زينغفان يانغ" ينال الجائزة الكبرى

سعادة عابرة" لسينا محمد: شاعرية سينمائية مرهفة

مؤسسة البحر الأحمر تكشف عن الفرق المُختارة من تحدّي صناعة الأفلام

مقالات ذات صلة

سعادة عابرة
سينما

سعادة عابرة" لسينا محمد: شاعرية سينمائية مرهفة

قيس قاسميرسم المخرج الكردي سينا محمد على سطح لوحته السينمائية، التي يُسمّيها "سعادة عابرة" (2023)، نافذة صغيرة، يطلّ منها على موطنه، بعين رسّام سينمائيّ يتأمّل، من الأفق الذي تُشَرعه، عيش أهله، ثم يذهب بخياله...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram