زهير الجزائري
لا حاجة لأن أناديه. حين أناديه، أكسر زجاج صورته وأصوغ هويته. سيأتيني حسين حسن لوحده ليصوغ هويتي. يأتي بشعره الأسود الكثيف وقامته المتمايلة وعينين بلون البحر في لحظات الصفاء. يأتيني حين أكون غافلاً عنه مع إنه موجود في تلافيف ذاكرتي وأزقتها الكثيرة.
موجود كما أراه وكما يراني. ممسكاً كتفي مائلاً عليّ ليهمس في أذني مقاطع من يوميات أو رسالة حب ل(ح) التي يحبها من طرف واحد. حين أضع قدمي على الرصيف أعرف إنه يسير إلى جانبي محاذياً لحفرة المجاري. سيهمس في أذني تفاصيل الكابوس الذي يخنقه. فقد رأى في الحلم (ح) تغتصب جماعياً، تستنجد به وهو في مكانه عاجز عن العون. حسين الواهن الرقيق هو نتاج هذا العجز الذي أصابنا جميعاً. أقطع حكايته لأحذره من السقوط في الحفرة فيغضب لأني أقطع حكايته. في داخله حفرة اكبر. في اليوم الثاني أراه معها وأنا على يقين من أنه حكى لها الكابوس. لا تبدو عليها علامة فزع، كانت تضحك: إنه مجرد كابوس؟
لا أتذكر تماما كيف تعرفت على(أبو علي). كان معي وحسب. هكذا عرفته وصار جزءً من ذاكرة صباي وطفولتي. أتذكره معنا في شارع المحيط في الكاظمية، يسكن مع إبراهيم زاير في بيت واحد تجمعهما رابطتان: أمّهما بنات عم، وكلاهما يتيمان. فقد مات والد حسين وهو صغير وترك والد إبراهيم البيت واولاده بعد زواجه الثاني.
لكن طريق اليتم مفترق بينهما. إبراهيم في حالة عراك دائمة مع الحياة. حين لا يكون ساخراً سيتنفس بصعوبة كأنه خرج توّاً من العراك، بينما استسلم حسين لقدره، لكن دون استرخاء، إنما مع إحساس دائم بالضيم.
يعرف إبراهيم كيف يستفزّ حسين، ويعرف حسين مسبقاً إن إبراهيم سيفعلها وقد هيأ نفسه للاستجابة. دائماً أجد نفسي في موقع الحكم والشاهد بينهما، وأحيانا أهرب من هذه المسؤولية الثقيلة متحاشياً الفضيحة وسط الشارع. من بعيد أراهما يسيران باتجاه واحد نحو بيت واحد ولكن على رصيفين مختلفين. ابرهيم يراه هش أدنى من المسؤلية بينما يراه حسين متعال دون كفاءة. لذلك يستجيب للاستفزاز بسرعة وحدّة. لو خيرت أنا الماشي بينهما لكنت إلى جانب حسين القابل على الإنكسار بسهولة. طيب القلب رقيق كما الهواء. له أقرأ حين أشك بما كتبته وأبوح حين ارتكب خطيئة. يصغي إليّ باهتمام قبيل كأسه الرابع. حين يختصمان أسير بجانب حسين تاركاً إبراهيم يدردم مع نفسه يلوم حسين حين يعجز عن أن يلوم نفسه. فزعت مرة حين هدد حسين بأن يلقي بنفسه في حفرة المجاري وعلي، إذا كنت الصديق الفعلي، أن أهيل عليه التراب.
حين افترق عن الإثنين أشعر بانني منهك من تصادم العواطف. أقول لنفسي: كفى! لن اعود لهذه الشلة! لكنني اعود خادعاً نفسي بأن نبدأ بداية جدية بحديث أصدقاء ناضجين. حسين حسن الشاعر الرقيق المثقل بأحزان الجنوب يحمل عيني أمه، عينان قفزتا من بحر صاف وسقطتا على وجه جنوبي ينكرهما. مدهش في تحويل أحزانه إلى صور شعرية(جثة أمي وأبي والهموم) . قارئ نهم باللغة الإنكليزية ويحفظ على ظهر قلب ما يقرأه. بارع في التقاط المدهشات والمفارقات في الكتب والحياة.
يستطيع لو اراد أن يكون شاعرا مهماً، لكنه لا يريد. يفضل شخصية الصعلوكً اللاهي. اللهو ليس نهاية مواهبه فهو مدهش في آرائه بالآخرين. لكنه يجهل باصرار قدر نفسه ويفضل أن يغادرنا كل يوم ليجد نفسه في عالم الصعاليك.
لا أحد يضاهيه في تضييع الفرص في الثقافة وفي الحب. نسمع له أنا وابراهيم وندهش بمسوداته وافكاره ورؤاه فنلومه:
-لم لا تكتبها؟
في الحب، لن يصل المرحلة التي تلي المصارحة الأولى، سيفقد عاجلاً حبيبته وصار مدمناً، كما الخمرة، على الحب من طرف واحد. يعرف تماماً أن (ح) لا تبادله الحب، إنما تستمرئ رسائله الولهانة لتعزز غرورها. لمرات أردت ان أصارحه بهذه الحقيقة، لكنني أتردد(لم اصدم أوهامه) ؟
يناديني حسين حتى لو لم يكن هو المنادي. أراه من الشرفة مائلاً إلى اليسار فانزل على عجل للقائه. مامن شخص مثله أصارحه بحيرتي وتردداتي. أحيانا آخذ الكلمات منه وأعيدها إليه فتفقد مصدرها بيننا نحن الصديقين.
ما من أحد يضاهيه في كسب الأصدقاء، لديه جيش مبعثر من الأصدقاء تجذبهم إليه شفافيته التي تسقط جدران التردد والتعالي ويلتقون في هزائم الحياة.
عرفني على حشد من اصدقاء الستينات (مخلص خليل، فاروق سلوّم، بسام فرج، قاسم الساعدي، عبد القادر الجنابي،حسين عبداللطيف، محمود الجنداري، ستار ناصر)…
ولكل واحد منهم وصية تحذير:
-كل ما اقتربت من زهير تفقده!
· (من دفتر الستينات)