اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > سينما > الميزان وثائقي ينهل من خط التماس بين السينما والإنثروبولوجيا

الميزان وثائقي ينهل من خط التماس بين السينما والإنثروبولوجيا

نشر في: 3 إبريل, 2024: 11:37 م

عدنان حسين أحمد

يستلهم المخرج الإيراني الكندي شهاب مهندوست موضوعات أفلامه من المناهج الأثنوغرافية للناس والثقافات التي تشكّل النسيج الاجتماعي الإيراني بمختلف قومياته وأديانه ومذاهبه المتعايشة. كما ينهل من خط التماس بين السينما والإنثروبولوجيا حيث يتناول قضايا الهُوية والعمل والحرب والهجرة والعيش في الممرات المائية في خوزستان «عربستان سابقًا» التي أصبحت مصدرًا لتحصيل الرزق الحلال للمواطنين العرب الذين يقيمون في الضفة الشرقية من الخليج.

يقسّم المخرج فيلمه الوثائقي إلى ثلاثة أقسام حيث يرصد في القسم الأول مجموعة من العمال اليدويين من ذوي المهن المتعلقة بالبحرية، وفي القسم الثاني يسلط الضوء على صيّادي السمك، فيما يخصص القسم الثالث والأخير لمعمل تنظيف الروبيان الذي يتألف غالبيته من النساء مع وجود عدد محدود جدًا من الرجال الذي يقومون بأعمال النقل والتحميل وما إلى ذلك.

تدور أحداث الفيلم في مدينة عبادان والممرات المائية المُفضية إلى الخليج عِلمًا بأنّ ميناء الصيد يقع إلى جوار منطقة صناعية لتكرير النفط ليس من السهل على المواطنين العرب العمل فيها لهذا اختاروا مهنة الصيد على الرغم من صعوبتها ومشقتها الدائمة وخاصة للصيادين الذين يستعملون مراكب الصيد الصغيرة التي تفتقر إلى الكثير من الخدمات ووسائل الراحة التي تتوفر عليها سفن الصيد الكبيرة. اختار مهندوست»الميزان» عنوانًا لفيلمه وهو يشير إلى النجوم والأبراج السماوية وتأثيرها على حياة الصيادين الذين يقضون ثلثيّ حياتهم على المياه بينما يكرّسون الثلث الأخير على اليابسة. ولا ينسى المخرج أن يُذكِّرنا بأن اختفاء بعض النجوم مثل «الثُريا» لمدة زمنية قصيرة يعني أنّ العواصف والأعاصير تتجمع وتندلع من دون سابق إنذار فتجعل الحياة على سطح الغَمَر جحيمًا لا يُطاق.

يتمحور القسم الأول من الفيلم على العمّال اليدويين الذين يشتغلون على مراكب الصيد الصغيرة وطريقة نشرهم للشِباك وسحبها بعد مدة كافية من الزمن وتفريغ غلّتهم من الأسماك والروبيان والسلطعونات وكل ما تجود به مياه الخليج على الصيادين العرب الذين توارثوا هذه المهنة أبًا عن جد. يضطر بعض الصيادين إلى ترميم شِباكهم على مراكب الصيد نفسها وقد رأينا أحدهم وهو يرمم مساحة ممزقة من الشبكة كي لا تتسرّب منها الأسماك. يقدّم لنا مهندوست نماذج من الصيادين الذين عملوا في مهنة الصيد ثم تركوها لعدد من السنوات لكنهم سرعان ما عادوا إليها بعد سنتين أو ثلاث سنوات على الرغم من صعوبتها فهي مهنة مُتعِبة لا تمنح صاحبها فسحة من الـتأمل والراحة الجسدية والنفسية. فحينما تهبُّ العواصف وتثور الأمواج لا يجد الصيّاد بُدًا من أن يتوقف عن العمل، ويتمدد في جوف المركب مُسترخيًا لأنه يفقد الرغبة حتى في تناول الطعام، وأن يتوقف عن فعل أي شيء لأنّ الجو العاصف يُجبر الصيّادين على العزوف عن العمل والنفور منه. ثمة صيّاد آخر ينظّف السمك ليُعدّ وجبة طعام لزملائه في العمل ويتحدث في أثناء التنظيف عن سمك الحسّون الذي بدأ ينقرض في تلك المضارب وأنّ الغالبية العظمى التي يصطادونها منه يخصصونها للتصدير. يتواصل الصيادون الذين يستعملون مراكب الصيد الصغيرة بأجهزة لاسلكية لكي يتعرّفوا على أماكن تواجدهم والمسافة التي تُبعدهم عن الميناء. يعترف الصيادون بأن بيتهم الرئيسي هو الـ «ترولة» أو مركب الصيد وليست البيوت المُشيّدة في المدينة. ومع ذلك فإنّ الصيد الوفير يُحببهم بوجودهم على ظهر المراكب لكنّ شحّة الصيد وندرته تجعلهم ينفرون من هذه البيوت العائمة على سطح المياه المالحة الهوجاء، فكلّما هبّت الرياح والعواصف يُلقي الصياديون مراسيهم في قاع البحر لأربعة أو خمسة أيام ثم يستأنفون عملهم من جديد. وعلى الرغم من وجود المصفى الكبير في عبّادان إلاّ أنّ غالبية الناس لم يحظوا بفرصة عمل في هذه المنشأة الصناعية الكبيرة فبعضهم لا يُحسن القراءة والكتابة، وبعضهم الآخر وجد ضالته في مهنة الصيد التي تغمرهم بالرزق الحلال في معظم الأوقات، وتشحُّ عليهم في بعض الأحيان.

يركِّز مهندوست في القسم الثاني من الفيلم على مجموعة من الصيادين الذين يقفون على رصيف صيد (بحرَكان) قرب مدينة هنديجان المحاذية للحدود العراقية الشرقية حيث يتشكّى البعض لأنهم لم يصطادوا سمكًا منذ خمسة أيام، ويعزو البعض منهم انعدام الصيد أو شحّته إلى برودة الماء وقلّة الحظ ورحيل الأسماك إلى قاع البحر بينما يؤكد صياد آخر بأنه اصطاد سبع أو ثماني سمكات لا يسميها الصيادون الماهرون سمكات حقيقية لأنها صغيرة الحجم مثل الشانك والهامور، وأحدهم اصطاد سمكة شانك لكنه أعادها إلى الماء لصغرها، بينما يذهب شخص آخر إلى القول بأنّ أحدهم اصطاد سمكة تزن أربعة كيلوغرامات.

يسلط المخرج الضوء على صيد القُريْدس أو «الروبيان» الذي يضعه الصيادون في سلال صفراء وزرقاء يزنوننها ثم يعبئونها في أكياس من النايلون لتجميدها وحفظها من التلف. لا تبدو بعض الأسماك طازجة ذلك لأنّ الصيادين اصطادوها في منتصف الليل وأوصلوها إلى رصيف الميناء صباحًا ففقدت بريقها. يتحدث الصيادون عن مهنة الصيد الشاقة لكنهم يتغلبون على هذه المشقة حينما يحصلون على صيد وفير وتنخفض معنوياتهم حينما تقلّ الغلّة. ومع ذلك فهم مضطرون للعمل يوميًا وفي شتى الظروف سواء أكان الطقس حارًا أم باردًا كي يلبّوا احتياجات عوائلهم اليومية. عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية هرب بعض الصيادين من المناطق التي تشتعل فيها الحرب وجاؤوا إلى مدينة هنديجان لكي ينجوا بأنفسهم وعوائلهم من الحرب الدائرة هناك.

يكرّس مهندوست القسم الثالث من فيلمه لمعمل تعليب الروبيان الذي يقع في ضواحي مدينة عبادان وتشكّل الفتيات والنساء الغالبية المطلقة فيه حيث يتم نقلهن من القرى المجاورة لمدينة عبادان. بعض الفتيات والنساء العاملات صائمات لمناسبة الأول من أيام رجب بينما لم تمارس الأخريات طقس الصيام. قد يبدو هذا العمل روتينيًا ومملاً إلاّ أنه يدرُّ عليهن أجورًا جيدة فكلما ازدادت الكمية التي ينظفنها ازدادت الأجور لكن عملية التنظيف لا تقتصر على إزالة الرأس والقشرة الخارجية والذَنَب وإنما يجب أن ينزعنَ العِرق أو الشريان الموجود في باطن جسد الروبيان علمًا بأنّ تنظيف هذا الكائن البحري في الصيف أسهل منه في الشتاء حينما يكون مُخزّنًا ومجمّدًا. فالمرأة العاملة تستطيع أن تنظِّف من 25 إلى 30 كغم في اليوم الواحد صيفًا لكنها لا تستطيع أن تنظِّف أكثر من 15 أو 16 كغم في فصل الشتاء وقد تنخفض إلى 10 كغم، أمّا النساء البطيئات فهنّ ينظفنَ من 7 إلى 8 كغم في اليوم الواحد. وثمة امرأة تعلّم عاملة جديدة كيفية تنظيف الروبيان ونزع العروق من بدنه. تعمل النساء ساعات طوالاً في هذا المعمل وحينما ينتهينَ من العمل تفحص إحدى المشرفات عملهنَ وتتأكد من نظافته، وخلوه من الشوائب والأوساخ، وتزن سلالهنَ النظيفة وتدوّنها في دفتر خاص لهذا الغرض قبل أن تسمح لهن بمغادرة المعمل الذي يشتغل فيه بعض الرجال الذين يرزمون الروبيان المنظّف ويعبئونه في أكياس من النايلون، ويهيئونه للبيع في الأسواق المحلية أو العالمية.

بقي أن نقول بأنّ مهندوست قد وُلد في مدينة طهران ونشأ فيها قبل أن ينتقل إلى مونتريال سنة 2004م. شارك بفيلميه "زاكروس" و "ميزان" في مهرجان مونتريال الدولي للأفلام الوثائقية الذي يدعم الأفلام النوعية المتفردة التي تنطوي على أفكار ووجهات نظر جديدة ويراهن على سويتها الفنية التي تربّي الذائقة الجمالية عند المتلقين بشكل عام.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

(وادي المنفى).. فيلم واقعي عن اللاجئين السوريين في لبنان

في ختام مهرجان "كارلوفي فاري" فيلم "غريب" للمخرج "زينغفان يانغ" ينال الجائزة الكبرى

سعادة عابرة" لسينا محمد: شاعرية سينمائية مرهفة

مؤسسة البحر الأحمر تكشف عن الفرق المُختارة من تحدّي صناعة الأفلام

مقالات ذات صلة

سعادة عابرة
سينما

سعادة عابرة" لسينا محمد: شاعرية سينمائية مرهفة

قيس قاسميرسم المخرج الكردي سينا محمد على سطح لوحته السينمائية، التي يُسمّيها "سعادة عابرة" (2023)، نافذة صغيرة، يطلّ منها على موطنه، بعين رسّام سينمائيّ يتأمّل، من الأفق الذي تُشَرعه، عيش أهله، ثم يذهب بخياله...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram