يقول اندريه مارلو في مقدمة كتابه اللامذكرات : لقد عشت في المجال القلق، مجال الذهن والتخيل، مجال الفنانين، ثم في القتال ثم في التاريخ .. هذا التوصيف البليغ لنفسه يوجز لنا مسيرته هو الذي خبر الحروب ودرس الحضارات وفنونها وتجلياتها، وهو الكاتب وناقد الفن والباحث في آثار الشرق
يقول اندريه مارلو في مقدمة كتابه اللامذكرات : لقد عشت في المجال القلق، مجال الذهن والتخيل، مجال الفنانين، ثم في القتال ثم في التاريخ .. هذا التوصيف البليغ لنفسه يوجز لنا مسيرته هو الذي خبر الحروب ودرس الحضارات وفنونها وتجلياتها، وهو الكاتب وناقد الفن والباحث في آثار الشرق وكنوزه ووزير ثقافة ديغولي من طراز فريد جمع بين رؤيا الفنان وحنكة السياسي وكان أحد أساتذة القرن العشرين الذين تركوا بصمات رؤاهم ومواقفهم على أجيال من البشر في الغرب والشرق، ومن يقرأ كتابه الرائع (اللامذكرات) أو المذكرات المضادة يكتشف تلك الروح القلقة التي تترنح بين التوق الملهم لكشف أسرار الفنون و تاريخ الحضارات وبين الرؤية الغربية العقلانية القائمة على تمجيد الفرد وصرامة المعايير الرياضية التي تتحكم بالفكر والفن والتوجهات السياسية والعلاقات الإنسانية، كما يكشف الكتاب عن مواقفه ورؤيته للحروب التي خاضها بخاصة في جزء الكتاب المعنون : أشجار جوز التنبرغ ..لقد كان مالرو من ملهمي جيلنا الكبار وكتابه (إغواء الغرب) يتضمن رسائل متبادلة بين فرنسي و صيني يعبر كل منهما عن رؤية لعالمين مختلفين ، رؤيتهما للفن والعمل وعلاقة الإنسان بالزمن ومفهوم المتعة في الفن والحب والموت ..يتحدث الصيني عن علاقة الآسيوي الشرقي بالزمن ونظرته إلى نفسه كجزء أو تجلٍ للكون العظيم، يقول مخاطبا الفرنسي : (إن الزمن لديكم هو ما تصنعونه به، أما نحن فأننا من يصنعنا الزمن). يعتبر الشرقي الآسيوي نفسه كيانا واعيا للعالم ومرتبطا بالكون من خلال ما يصنعه به مرور الزمن وما يضفيه عليه من قيمة وما يقدمه هو للآخرين، أما في الغرب، فإن المرء يقاس بما يملك وكل شخص يتقدم في عمله، يدوس على اقرب الناس اليه ليحافظ على نمط عيشه الاستهلاكي الذي يدفع ثمنه خواء عاطفيا مريعا -وهذا ما يحدث عندنا الآن-، بمعنى أن منظومات السياسة والاقتصاد في الغرب تقوم على عدم الشعور بالأمان وتكون حياة البشر تحت وطأة تهديد دائم من فقدان العمل في الأزمات الاقتصادية الحالية التي حولت الملايين الى مشردين ،و في الشرق الحقيقي لا يهتم المرء بأن يفوز في السباق بقدر مايهمه أن يكون شريكا في صنع البهجة والأمل، لا يعنيه أن يكون غنيا بقدر ما يرنو إلى السعادة في الحب والرفقة .. يقول الصيني (إن أوروبا بلاد افترستها الهندسة، فالشوارع مستقيمة والحدائق تعاند الطبيعة وتستسلم لنسق هندسي صارم (..) كل حضارة تنمذج حساسية معينة، والإنسان العظيم ليس الرسام ولا الكاتب، إنه الذي سيعرف كيف يصل بهذه الحضارة إلى أعلى مراحلها، منقيا في ذاته حساسية جنسه وعاملا بلا توقف على جعل تلك الحساسية تعبر عن نفسها باتجاه متعة أكثر سمواً وهذه هي حياة الذين نعدهم الأساتذة أو(الأساطين)، إن التفوق بالنسبة للغربي هو تفوق رجل السلاح وتفوق الألم،وبالنسبة لنا هو تفوق الكمال، والكمال ياتي من عمق العاطفة التي يوقظها فينا شعور ما، أما عندكم فالكمال هو التضحية،والإعجاب ياتي من فعل معين ، أما الكمال والإعجاب عندنا فهما الوعي بالوجود بطريقة أكثر جمالاً .. يفصح الفرنسي عن رؤيته لانحدار الثقافات وموتها ( ان أي ثقافة لا تموت إلا بضعفها الخاص،ففي مواجهة المبادئ التي تعجز عن استيعابها سيحكم عليها بأن ترى في تدمير هذه المبادئ عنصر انبعاثها، او الفناء ..) ألا يلوح لنا من هذا التوصيف أن ثقافتنا الراهنة في حالة نزع واحتضار مما يدفعها إلى تدمير مبادئ الحضارة والتقدم متوهمة أنها تساعدها على الانبعاث والحقيقة أنها تمضي إلى الفناء، يقول الصيني :إن شبابنا مسلوخون من ثقافتهم وضجرون من ثقافة أوروبا، لقد ولد فيهم الفرد وولد معه نزوع للتدمير والفوضوية، وهذا ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي، تعتاش مجتمعاتنا على معطيات الثقافة والتقنية الغربية ويتنعم الشباب بمنجزات الغرب التقنية والعلمية، فإذا
قناديل ..الثقافة لا تموت إلا بضعفها الخاص

نشر في: 2 أكتوبر, 2010: 05:13 م







