علي حسينهل يمكن ان تتخيلوا عالما لم يظهر فيه تولستوي اومارسيل بروست او فكتور هيجو؟، هل يمكن قراءة تاريخ العرب من دون المرور بالمعري وإعجازه اللغوي، والفرزدق ونقائضه؟هل يمكن لك ان تتخيل فرنسا بدون سارتر وبودلير، واليونان بدون أفلاطون، وايطاليا من دون دانتي، وألمانيا من دون غوته، وتشيلي من دون نيرودا، واسبانيا من دون لوركا؟،
من سيبقى من روسيا وصايا جدانوف أم كلمات باسترناك؟، أحرار علمونا كيف نحترم أنفسنا، علمونا قيمة وأهمية الحياة، قيمة الأرض وعظمة الإنسان.يحدثنا جبرا إبراهيم جبرا عن علاقته بالكتاب: "كثيراً ما يفاجئني الأصدقاء بسؤال وهم ينظرون الى المكتبة التي انتشرت على الحيطان لتأخذ حيزاً كبيراً: هل قرأت كل هذه الكتب؟، وتكون إجابتي التي تعودت ان أقولها، لقد اطلعت عليها كلها".. لم يكن الكتاب بالنسبة لجبرا سوى ضرب من العشق وهو يحفظ مقولة فرنسيس بيكون الشهيرة "بعض الكتب وجد لكيما يذاق، وبعضها لكيما يبتلع، والبعض القليل لكيما يمضغ ويهضم".يتذكر جبرا ما قرأه عن دي اج لورنس من ان الأخير دخل مكتبة اكسفورد وكانت تحوي مائة الف كتاب وفي ثلاث سنوات من الدراسة تعرف عليها جميعاً، هذا التعرف هو اساس الكثير من المعرفة وهو الذي يدل القارئ الى الاتجاه الذي عليه ان يسير فيه لطلب المزيد والمزيد، لنا ان نتذوق الكتاب او نبتلع بعضه او نمضغه ونهضمه ببطء في كل الأحوال نحن نعيش حالة عشق لا تملها النفس.يكتب جبرا في مقال بعنوان عشق من نوع آخر: "كانت تراودني فكرة أشبه بالحلم فكرت كثيرا في كتابتها، وهي عن رجل يعشق الكتب اشترى بقعة نائية، بنى عليها فندقا جميلا يجتذب أولئك الذين يريدون الاختلاء بالطبيعة بعيدا عن ضوضاء المدن طلبا للتعمق في ذواتهم، مقابل أجور معقولة وكان ذلك جزءا من خطة وضعها لنفسه، فهو ينفق معظم ربحه في كتب يشتريها بالمئات.وفي بضع سنوات تجمع لديه من المال ما يكفيه أخيراً لان يحول الفندق الى صوامع، رتب فيها الكتب على رفوف لا تنتهي وجعلها دارا مفتوحة لكل من يريد ان يقرأ ويكتب، شريطة ان ينتهي ما يكتب الى مؤلفٍ يزيد من حس الإنسان بروعة الوجود".في البيت حاول ان يحقق حلمه بصومعة شبيهة، يجلس وحوله المئات من الكتب، أصدقاء من كل حدب وصوب يتحدث اليهم ويتحدثون اليه يجالس المتنبي والبحتري والأخطل والسياب، ومعهم ابن خلدون وفوكو والطبري، يتوسطهم اللورد بايرون وشكسبير وشيللر، هل لنا أن نتصور رفقه أعظم من هذه؟يتذكر في سني دراسته الجامعية مصاطب الكتب في مدينة كمبردج وقد تزاحمت عليها كتب نادرة ونفيسة تباع جميعها بأسعار زهيدة، يقف متأملاً يقلب هذا ويقتني ذاك وهو أشبه بسارق المعرفة على حد تعبير الناقد الانكليزي وليم هازلت، سراق المعرفة الذين يطيلون الوقوف أمام أكوام الكتب ليقرأوا بمتعة وتلذذ، حيث يؤكد هازلت ان "سرقة المعرفة هي السرقة المشروعة الوحيدة في حياة المجتمع"، وكان جبرا باعترافه واحدا من هؤلاء اللصوص حين تختفي النقود من جيبه فلا يجد بديلا،ً ان يقف ساعات ليسرق، يقرأ بمتعة وتلذذ فقرة هنا او فقرة هناك.يعيد ألينا مهرجان الجواهري ذكرى جبرا العطرة ونتذكر ما كتبه يوما عن صاحب دجلة الخير:"قصائد الجواهري تجسد إبداعياً رؤية متقدمة، شاملة في إنسانيتها، نافذة في خصوصيتها، ضاربة في جذورها بماضيها، واعية في حضورها بتاريخها".
العمود الثامن: لصوص من نوع خاص

نشر في: 13 أكتوبر, 2010: 06:33 م







