لم نكن نعرف أن "اللصقة" الشهيرة في العراق، جونسون، معروفة في أماكن أخرى في العالم العربيّ، كالسعودية حيث أخبرتنا للتوّ صديقة من الطائف أنها ما زالت منتشرة باسمها لديهم. ولمن لا يعرف تاريخها هنا خطاطة سريعة.
تأسستْ شركة جونسون آند جونسون (Johnson & Johnson) الأمريكية في عام 1886. وظلت واحدة من أكبر الشركات المصنِّعة للمستحضرات الصيدلانية: التجهيزات الطبية ومنتجات النظافة والصحة ومستحضرات التجميل وأشرطة وضمادات الإسعافات الأولية ومنتجات الأطفال. وهي ذات سمعة عالية، ومشهورة بأخلاقياتها الرفيعة كما يُقال.تأخذ الشركة (واللصقة العراقية توسُّعاً) اسمها من روبرت وود جونسون الأول (1845-1910) الذي كان يعمل في نيويورك. التقى جورج ج. سيبيري فقررا ترك الشركة التي كانا يشتغلان بها والاستثمار في الأعمال التجارية تحت اسم سيبيري أند جونسون. لم تكن العلاقات بين الشريكين ودية دائما بشأن استخدام أرباح الشركة. انتهى الأمر بدخول أشقاء جونسون الخمسة إلى الشركة. ليقرر روبرت وود جونسون إنشاء مؤسسة إنتاج خاصة به للضمادات، فانضمّ إليه إخوته عام 1885. تطوّر العمل في السنوات الأولى بقوة مما جعلها الشركة الرائدة في حقل الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. قامت جونسون آند جونسون عام 1886 بتصنيع منتجاتها الأولى. عام 1887 أعلن اسمها الرسميّ تحت عنوان "جونسون آند جونسون". عام 1888 حققت أرباحاً وصلت إلى 25000 دولار أميركي شهرياً. دارت العجلة حتى عام 1910 عندما توفي روبرت وود جونسون فجأة. سيرورة الأحداث اللاحقة معروفة، وفيها ظلت (لصقة جونسون) ماركة أساسية في العالم حتى اليوم.استخدم العراقيون بمرحهم غير المُعترف به عربياً شهرة اللصقة مجازياً للتدليل على الشخص ثقيل الظل، الطفيلي، الملتصق بكَ، أو دليلاً على الفكر الثابت المتحجِّر.هذه الفكرة صالحة الآن أيضاً بالنسبة لأعداء وأصدقاء التعبير العراقي الحميم (لصقة جونسون!). أذْ لم يتحوّل البعض عن المواقف الثقافية والشعرية والسياسية القديمة قيد أنملة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أو أن التحوّل كان من البطء بمكان، رغم غلالة اللغة وبهرجها وما توحي لنا به. لقد وقع الالتصاق بمواضع ثقافية سابقة وأفكار ثابتة، كأن العالم قد توقّف عن الحركة تماماً. وإذا لم يتوقف العالم في ذهن هذا البعض كما يَحْسب، فإنه يؤمن بأن الزمن توقف لدى الآخرين وتأبّد، فصار يلصق بهم لصقات فكرية وأيديولوجية ممهورة بذمّهم أو بمدحهم، حسب المقام.هذا الوعي لا-تاريخي، يستند إلى الانطباع السريع، أو اللحظة القديمة، أو الجهل بمنجزات المجايلين ويُنكر التحوّلات البسيطة أو الرديكالية التي مرّوا بها، هذا الوعي مقطوع الصلة أيضاً بالزمن والحدث والمكان، وهو يُعبٍّر ببلاغة عما يقوله التعبير المجازي الشعبي العراقي: (لصقة جونسون). فمن جهة يَعتبر من لا يُتفق معه ثقافياً وسياسياً وشعرياً مصاباً بداء الثبوت العضال الذي لا شفاء منه. ومن جهة أخرى لا يَعترف بالعلاج الممكن، بالنصل الناجع: فاعلية الوجود الكفيلة حتى بمسخ الكائنات.سنقدِّم مثالاً صغيراً عن "لصقة جونسون" في بعض الثقافة العراقية والعربية (وليس كلها): التجييل الشعريّ وما يُلصق بكل جيل من لصقات ساخنة وباردة، وأفكار دون ظلال، ونفي للفُوَيْرقات بين حسّاسية الشعراء. ثم لو تحدّثنا عن فترة السبعينيات في بلد مثل العراق فسنتحدّث عن التقسيم الجغرافي النهائي، اللصقيّ، الملحاح بين (بعثيين) و(شيوعيين) الذي ينوي منح (لصقة جونسون) بطيبة خاطر وكالبداهة لمن يُعتبر شيوعياً أزلياً فحسب لم ولن يتغير قط، ونفيه بالتالي عن التغيرات الطارئة على العالم الكبير. الشعراء البعثيون العراقيون في السبعينيات أو القريبون منهم ليسوا متهمين بشيء، كما يشف من تلك الأوصاف، بل هم في حيوية التغيُّر المثابر الخلاق الذي ينقلهم من مكان رحب لمكان أوسع!!. قرأنا الشهر الحالي، أكتوبر 2010، شيئاً من هذه الفكرة ثلاث مرات على الأقل في الصحافة الورقية والإلكترونية. لو كان التحليل صحيحاً فإننا أمام وعي لا يؤمن جوهرياً بالحيوية وذي موقف متأصّل إزاء طرف واحد فقط: شعراء العراق اليساريون يعانون من ثبوتية عصية على الفهم ولا فكاك منها. لا يُقال الأمر نفسه عن شعراء لبنانيين مروا أيضاً ذات يوم في الحزب الشيوعي اللبناني. الأمثلة الأخرى متنوعة وتأتي من كل حقل، وقد ترتبط مرةً بفكرة تقديس الأفراد عندما يتعلق الأمر بـ "لصقة" مفيدة، إيجابية، ومرة بفكرة التهميش والإلغاء عندما يتعلق الأمر بـ "لصقة" تعتبر ضارة وممكنة الاستخدام ضد الخصوم الافتراضيين. هكذا ستلصق الثقافة العراقية بعلي الوردي وحبيب السامر والجواهري وطه باقر مثلاً تصورات محض تبجيلية من دون مراجعة للمنهجيات السوسيولوجية والأيديولوجية والشعرية والأثرية المعاصرة التي قد تصوِّب أو تحسِّن أو تستبعد بعض مقارباتهم المهمة في تلك الحقول. في الحقل السياسيّ، والشخصيّ خاصة، تشيع اللصقات وتتفشى، ودائماً من دون اعتبار للتطورات الحاصلة في الوعي السياسي والتاريخي والتجربة ا
تلويحة المدى :ملاحظات عن "لصقة جونسون" الثقافية

نشر في: 15 أكتوبر, 2010: 06:49 م







