علي حسين اذا مشى الرصافي في الشارع فلا احد يستوقفه، وكان هو لايرغب في ذلك، فهو يمشي واضعا يديه وراء ظهره، مندفعا الى امام، لايعرف احد اين سيذهب الا ان المقربين منه يؤكدون لك بانه سيمر على مكتبات سوق السراي، لينتهي عند المكتبة العصرية، يجلس قريبا من صاحب المكتبة محمود حلمي، ويلتف حوله بعض رواد المكتبة يسالونه ان كان يعرف ان كتابا لفلان قد ظهر،
وفي يوم من الايام اتى له صاحب المكتبة بكتاب "راس المال "فقد كان حلمي يعرف جيدا ان صاحبه الرصافي مشغول هذه الايام بالافكار الاشتراكية وان القصيدة التي يمجد فيها هذا النوع من الافكاراثارت عليه زوبعة من الانتقادات: كل ما في البلاد من أمـــــــــــــــوال ليس إلا نتيجـــــــة الأعمـــــــــالإن يطيب في حياتنا الاجتماعية عيش فالفضل للعمــــــــــــــــــــــالإن الحق مذهب الاشتراكيــــــــــة فيما يختص في الأمـــــــــــــوالقولوا معي مقالا رفيع الصوت فلتحيــــــــــــا زمــــــــرة العمــــــــالكان الرصافي مكتويا بنار أسئلة حارقة تؤرق ذهنه وكان مدركا انه يواجه واقعا مضطربا انحاز فيه منذ البداية للمسحوقين والمعدمين وذهب به هذا الانحياز إلى ان يجاهر علنا في مجلس النواب عام 1937 حين قدم عدد من النواب مشروعا لقانون الاصلاح الزراعي اعتبره آخرون قريبا من مبادئ وسياسات الدول الشيوعية: "إني شيوعي لكن شيوعيتي إسلامية لأنها وردت في القرآن في قوله تعالى (و في أموالكم حق للسائل و المحروم) كما قال الرسول (تؤخذ من أغنيائكم فترد على فقرائكم)، أليست هذه الشيوعية و من يستطيع أن يقاوم هذا المبدأ إلا عن جهل ".ويذهب بعيدا في افكاره حين ينادي العراقيين قائلا:للانكليز مطامعا ببلادكم لا تنتهي الا بان تتبلشفوا في العام 1940 يلتقي الرصافي بعبد الفتاح ابراهيم الذي كان قد قرأ راس المال بنسخته الانكليزية عام 1929 اثناء دراسته في واشنطن، يقول إبراهيم: حصلت نقطة التحول عندي نحوالاشتراكية حين اطلعت على كتاب راس المال خلال اعدادي لاحد البحوث الدراسية حول ثورة 1917 البلشفية". ويسال عبد الفتاح ابراهيم الرصافي ما الذي استهواه بالاشتراكية؟ فيكون جوابه: "انها وعد بمجتمع، لا سيد فيه ولا مسود،، يأخذ كل من فيه حقه بغير زيادة، ويعطي فيه كل حقوق الآخرين بغير بخس، وينتهي فيه طمع الطامع، كما ينتهي فيه حب الرئاسة ونزاع المتنازعين على مراكز التصريف والتدبير، فلا يحق لأحد أن يعتبر نفسه أنه أحق بهذه المراكز من أخيه". ونتساءل هل قرا الرصافي راس المال؟ اعتقد ان الجو الفكري انذاك وشهية الرصافي للمعرفة اتاحت له ان يطلع على كتابات الكثير من مفكري العصر وكان كارل ماركس واحدا منهم. تشكلت آراء الرصافي في خضم هذا المناخ فجاءت جريئة متمردة، لأجل ذلك تألبت عليه الرجعية بشكل خاص فتم التشهير به ونسج الحكايات المخزية عنه لتصبح حكايته الاكثر مأساوية في تاريخ الفكر العراقي، فقد انشغل المؤرخون بالحديث عن الصغائر متناسين ان للرجل أفضالاً كبيرة، فراحوا يكتبون القصص الخيالية عن شيخ في الاعظمية يبيع السجائر واهملوا رجلا اشعل حرائق في الفكر العربي والاسلامي، لتصبح حكاياتهم في النهاية اشبه بالحديث عن شكسبير الذي كان يتشاجر مع زوجته، وبتهوفن الذي استدان من احد الاصدقاء ولم يسدد ديونه، وعن ابو العتاهية وبخله وابن الرومي وتشاؤمه، لو ولد الرصافي خارج العراق لكان شيئا شبيهاً بجان جاك روسو. وللحديث بقية...
العمود الثامن: ماركس فـي بغــداد/ 2

نشر في: 16 أكتوبر, 2010: 04:48 م







