إحسان شمران الياسرييتحدث الناس عن مليارات الدولارات يفترض إن الحكومة حصلت عليها خلال السنوات الماضية، ويتحدثون عن دعوات صدرت من البعض لتحويل احتياطيات البنك المركزي إلى الحكومة.ولم يكن من اليسير على الكثيرين فهم دلالة أن يكون لدى البنك المركزي العراقي احتياطيات بالعملة الأجنبية في البنوك المركزية الدولية..
كما لم يكن لدى آخرين فهم دلالة أن يكون البنك المركزي مستقلاً عن الحكومة ويرسم سياساته وفق رؤية تؤمن الاستقرار الاقتصادي واستقرار سعر الصرف للعملة الوطنية، وتقويتها، في مقابل ضغوط أخرى تنادي بتخفيض قبضة البنك المركزي على السياسة النقدية، وترك الأمور لأسبابها، حتى لو وصل سعر صرف الدولار إلى خمسة آلاف دينار، أو وصل التضخم إلى عشرة آلاف بالمئة.وكلما سمعنا بالضجة تأتي من هنا أو هناك، ننتظر صوت وزارة المالية، فإن لم تفعل مثل ما يفعل المتقولون، فهذا يعني إن الأمور في مساراتها السليمة، وإن الأخوين (المالية والبنك المركزي) في خطط متقاربة، حتى لو لم تكن متطابقة.لقد أنفقت بعض مؤسسات الدولة العراقية أغلى الأموال على منجزات وهمية، ونصف وهمية، وعلى مشاريع يتكرر فيها هدر الأموال بطريقة عجيبة.. وحتى الفساد الذي اخترعوه لنا، وابتلينا به، (مثلما ابتلينا بزهرة النيل التي استوردوها قبل نحو ثلاثة عقود، ثم تحولت إلى آفة في نهر دجلة)، لم يعد إلا وسيلة لتبرير إنتاج الفساد مرة أخرى.. وأنا مؤمن بأن (موضة) الفساد هي التي تخلق الفاسدين حتى لو لم يكونوا هكذا بالأصل.. وعندي قناعة بأن مسؤولين من مستويات مختلفة، أسقطوا عشرات الكفاءات الوطنية النزيهة عندما عمموا صيغة الفساد، فأصبح الفاسد يتصرف أمام الجميع بحرية لأنه فاسد، وصار غير الفاسد يتخفى عن العمل وعن المواجهة لأن الأمل غير موجود بأن يبرهن بأنه غير فاسد. ويوماً سمعت أحد أعضاء البرلمان، أو أحد المراجع الدينية، لا أتذكر، يقترح إيقاف الإنفاق على المشاريع وعلى التنمية لحين التأكد من عدم إهدار أموال الشعب العراقي.. وهذا صحيح إلى الحدود التي نضمن إن أفق الحل موجود، أما أن نتوقف نهائياً حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فهذا غير وارد.إن أكثر ما يواجه المقاولين في مرحلة (الفساد) هو الأسعار الواطئة التي يقدمها منافسوهم للاستحواذ على المقاولات. ولن نأتي بجديد إذا قلنا إن كل من نلتقي من المقاولين الذين لم يحصلوا على أعمال مع الدولة يقول لك: (لا أدري كيف سيربح فلان الذي أحيلت إليه المقاولة، فكل الحسابات تشير إلى إنه قدم سعراً يقل عن الكلفة المتوقعة لإنجاز المشروع).. ومع ذلك تحال المقاولات، ثم يتبين لاحقاً إن التفاهم الذي تم بين المقاول ورب العمل، تم على مدى التساهل الذي يبديه رب العمل في شروط التنفيذ.. ولذلك لم نحصل على تبليط نظامي منذ سبع سنوات، فيما أعيد تبليط الكثير من الشوارع أكثر من مرة في غضون سنة أو أقل. فهل كانت دعوة إيقاف التنمية حتى (نضبط الأمور) صحيحة؟ وهل من الضروري أن يُعاد رصف الشوارع بالمقرنص الإماراتي والإيراني و(العراقي) أكثر من مرة خلال السنة، فيما ترزح أحياء بائسة في بغداد والمحافظات في المستنقعات ومناطق طمر النفايات.. أم إن مشكلتنا إن قادة البلاد محجوزون في المنطقة الخضراء فلا يرون ليالي ونهارات الكمالية والشعلة والفضيلية وأطراف الميكانيك ومناطق أخرى من بغداد والمحافظات لا تخطر أحوالها على بال أحد. مناطق لا تشرب الماء الصافي في الصيف أو الشتاء؟ وهل صحيح إن أمانة بغداد لا تعرف أولويات المدينة، فتفكر ببناء مسبح في منطقة لا ماء فيها. وهل تعلم إن الأهالي سيأخذون ماء الشرب من هذا المسبح؟ وهل صحيح إن المحافظين لا يعرفون أولويات مدنهم فيفكرون ببناء مطارات، فيما تتقطع السبل بالناس كي تصل إلى القرى والأقضية وحتى مراكز المحافظات؟ ألم تفكر الحكومة ببناء منظومة مؤسسية تقضي على فرص الفاسدين؟ وهل تبقى الوزارات تتحرك بأنفاس أشخاص وليس بأنفاس الضبط الداخلي وأدلة العمل؟ وهل صحيح إن الخوف من إجراءات الرقابة والمساءلة هو الذي عرقل تقدم البلد طوال سبع سنوات. وإنه سيستمر في هذا الحال، مع إن هيئة النزاهة تحلف بأغلظ الإيمان إنها لا تقصد كل هذا؟ هل صحيح إن هناك مكاتب في بعض أحياء بغداد الراقية تومَََن للمقاولين الحصول على مقاولات مهمة في مقابل عمولات تصل إلى أكثر من نصف الأرباح المتوقعة؟ وهل صحيح إن العديد من مؤسسات الدولة لا يخجل (أو يخاف) مسؤولوها من استدعاء المقاول والتفاهم صراحة معه على آلية الحصول على مستحقاتهم وعمولاتهم في وضح النهار سواء من خلال وسطاء مقربين من رئيس الدائرة أو منه مباشرةً؟ وهل تحتاج عين الإنسان إلى (مكبرة) لكي ترى (الفيل) مثلاً.. أم إن كل هذا كلام ظالم يستهدف مؤسسات الدولة ورموزها الوطنية التي تقاتل من أجل بناء الدولة.. وإن مثل هذا الكلام موجود بالأصل من أجل أن ييأس الناس والمخلصون منهم تحديداً، فيقولون (ما دام الجميع فاسدين، فمن يقول عنّا شرفاء.. وعلينا أن نباشر الفساد مع بقية الإخوان، ثم ندفع لاحقاً الخُمس والزكاة ونذهب للحج والعمرة على أمل أن يسامحنا الله تعالى؟!).هذه قصة الكلام اليومي الذي يدور بين الناس ويعجزون عن قوله أمام المسؤولين لأنهم لا يرونهم إلا في التلفز
على هامش الصراحة: أموالنا والإدارة المالية

نشر في: 18 أكتوبر, 2010: 05:35 م







