TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى :فتنة الرمال فـي صحراء الشاعر

تلويحة المدى :فتنة الرمال فـي صحراء الشاعر

نشر في: 22 أكتوبر, 2010: 05:39 م

شاكر لعيبي كيف يمكن أن تكون للرمال هذه الفتنة في العمل الفوتوغرافي؟. العين الرائية وحدها تستطيع أن تمنح المعنى للصحراء التي طالما رٌبطتْ، دون وجه حقّ، لزمن طويل وفي أدبياتٍ لا تُحصى، بما هو نقيض للخصوبة وبالعزلة غير
 المستحبَّة وبنوع غامض من الموت. الفوتوغرافيا في الأقل، تستطيع أن تخرجها من البداوة إلى الفن الجميل. و تبسطها من ثم أمامنا كأمر جوهريّ في الكينونة، كالأمر الجوهريّ على الإطلاق. وتُخْرجها بالتمام من الفحولة إلى الأنوثة، والأخيرة جوهر العالم.ليس الشاعر نوري الجراح فوتوغرافياً الوحيد الذي أدرك هذا الأمر، لكنه رآه بعين الشاعر المهموم بالكينونة، وها هنا أمر يستوجب التأمل والمساءلة. يقيم الجراح اللحظة معرضاً لأعماله ويصدر كاتلوغاَ عن الصحراء، صحرائه وصحراء الشعراء. rnإن تأنيث الصحراء- وهنا مفارقة كبيرة تتعلق بالتحوّل الغريب للرمل من رملٍ إلى جسد، بل جسدٍ حيّ شبِقٍ- كان أحد مُستحثِّات المخيلة الشعرية العربية، كقول ابن رزيق:إِذا ماسَ ماسَ البان في وَشْيِ بُرْدِهِ وماجَ كثيبٌ حولَهُ الحتفُ رَاكدُوقول مهيار الديلمي:بيضاءَ يُقعدِها كثيبٌ أهيلٌ طوراً ويُنهضها قضيبٌ أهيفُوظل لوقتٍ طويلٍ كذلك، وربما ما زال قائماً حتى يومنا.ثمة علاقة الآن، في الفوتوغرافيا قد يصفها اللسانيون بعلاقة الشبه أو التماثل، وسيسميها النحويون التشبيه، وهي علاقة معقّدة ومُلغّزة وتشعُّ بالدلائل. التشبيه إقامة مقارَبة بين أمرين أو أكثر قصد اشتراكهما في صفة أو أكثر بأداةٍ لغرض مقصود. في الحقل الأيقوني، الصورة خاصةً، نجد تماثلاتٍ بين أمرين مرئيين بسبب اشتراكهما في صفة أو أكثر، وفيها قد تتحوّل (أداة الشبه) إلى (صورتين متجاورتين) في حيز واحد يضمُّ الموضوعين. هنا ما زال التشبيه مباشراً وملموحاً منذ الوهلة الأولى. في الحالات التي يُضـْمَر (أو يُحذف) فيها أحد أطراف التشبيه في الصورة، نحصل على مقاربة أخرى: الصحراء جسداً، صحراء الشاعر في الحالة الحالية. غياب المُشبَّه به هنا مُضْمرٌ، ويحيل إلى صورة ذهنية معروفة من طرف غالبية المشاهدين. إن أفعال المشابهة في اللغة العربية (ماثل، شابه، ضارع...) مفيدة للغاية للمقاربة مع التحليل الأيقونيّ، لأنها تحيل مباشرةً إما إلى حاسّة البصر أو إلى الصور الذهنية images mentales . لقد جرى منذ وقت طويل توظيف الصور الذهنية من قبل المصوِّرين الفوتوغرافيين، والرسّامين من قبلهم، وهم يسعون لإيجاد أنماط معيارية، شكلية يندرج فيها العالمان الحيوانيّ والإنسانيّ، انطلاقاً من التشابه بالضبط لكن المعلَن عنه إضماراً في أعمالهم. يفضّل جاك دوران في دراسته التي ترجمناها تحت عنوان "مجازات البلاغة في الصورة الإشهارية" (دار الدوسري 2010) العودة إلى التعريف الأكثر تجريدية للتشابه: "إنه مجموع العناصر التي يحمل البعض منها تشابهاً بينما يُعْلن الآخر اختلافاً". وهو عينه تعريف قدامة بن جعفر قبله القائل إن التشبيه: "إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معانٍ تعمُّهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها". يقدّم أكثر من مثال فوتوغرافي دليلاً باهراً على تعريفيْ قدامة بن جعفر وجاك دوران لأنه يقوم على علاقات تشابهية بين كُثيبين رمليين في الصحراء وثديين. المشبَّه هنا هو الكثيبان، والمشبًّه به هو الثديان ووجه الشبه بينهما هو التكوير والتجاوُر والمَلاسَة، ثم اللون إلى حد ما. ما هو مختلف بينهما هو التناظر (السيمترية) وانبساط الأجزاء المجاوِرة. يمكن أن تثير قطعة من الصحراء في الذهن جزءاً أو أكثر من جسد المرأة، لأن التشابه مع ذلك الجزء من الجسد الأنثوي هو الذي سيقفز فوراً إلى الذهن. انطلاقاً من التشابه البصريّ، يمكن قراءة الإسقاطات السايكولوجية كذلك، على أنها إمكانية رؤية الكثبان أشكالاً للأثداء. الشكل يمكن أن يتحوّل إلى محتوى، يقول جاك دوران في سياق آخر. غير أن هذا يعني أن الشكل المُشابـِه يمكن أن يَسْتحضِر دالاً مختلفاً: شكل الكثبان المكوَّرة وعتمات حفرها قد تستجلب دالاً إيروتيكياً.هذا إطار عريض، ناقص من دون قراءة جمالية، أو بالأحرى قراءة الحسّاسية، حسّاسية العين في علاقةِ تشابهٍ مثل هذه. لا يستطيع الجميع في الشعر أيضا التقاط دلالة عميقة، فردية في تشابهٍ ما. لن يقود مجاز التشبيه إلى فاعلية شعرية صافية من دون طرفةٍ وحسّاسية وتقنية ووعي ستنقله كلها من مقام التشابه إلى مقام التماثل. وشتان بين الأمرين. في عمل نوري الجراح الحالي ثمة لقطة مُلحّة، متنوّعة الزوايا، نرى فيها الجسد الأنثويّ صراحاً. أحيانا يتحوّل ملمس الرمال نفسه إلى هذا النوع من الحبيبات التي نراها على البشرة الآدمية، وفي أماكن حسّاسة من الجسد العاري. ثمة تماثل، وهذا يستدعي علاقة جديدة أكثر رهافة من دون شك، لأنها شاملة وتنقّب في الجوهريّ حتى وأن كان موضع برهانها الشكل الخارجيّ القافز إلى الذهن. أن خيار التأطير الذي يزيح الفضاءَ الأزرقَ والمدى من الكثير من الصور إنما يودّ تركيز كل جهده على ذاك التماثل وتوجيه أبصارنا نحوه. هذا القطع عامدٌ كما يمك

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram