علي حسين التجربة التي عاشتها تشيلي اثبتت ان الفعل البشري الحر يمكن ان يفعل الكثير اذا توافرت له الارادة والرؤية الصادقة، حيث تبدو هذه البلاد التي عانت عقوداً طويلة من الحكم الديكتاتوري كانها تريد ان تقدم نموذجا جديدا للبشرية،
نموذجاً يحترم الانسان ويقدر قيمة الحياة، نموذجاً يسهر 79 يوما من اجل انقاذ 33 عاملا تقطعت بهم امال الحياة . فقد ذهبت والى الابد تلك الايام التي كان فيها حاكم تشيلي بينوشيه يدفن العشرات في مقابر جماعية، خفت صوت الدكتاتور ليعلو صوت سلفادور الليندي الذي كانت كلماته تؤكد دوما ان شرف الرسالة في العيش لا في الاستسلام، ثمة مؤهلات لابد من ان يحملها من يسعى الى الحكم اولها الشجاعة، حمل عبد الكريم قاسم شرف الجمهورية الاولى على كتفيه وهو يواجه القصف، لم يصغ الى صوت الطائرات والمدافع وانما الى صوت الناس الذين استامنوه مستقبلهم وخيرهم وابنائهم، والثانية هي النزاهة، في اليوم الاخير لرئيس الوزراء البريطاني تشرشل في الحكم جاء عامل ينزع آلة الهاتف، فقال له"ماذا تفعل؟ هذا هاتفي". واكمل العامل نزع الهاتف قائلاً:"هذا، سيدي، هاتف رئيس الوزراء"ليبتسم تشرشل في النهاية وهو يقول"اثبت لي ان بريطانيا ستبقى حية"، ويرفض ديغول ان يرى ابنه الاميرال في البحرية يتولى اي منصب مهم الا بعد خروج الاب من الاليزيه.ابطال الزمن الحالي، رجال مثل لولا دا سيلفا، عامل مصنع الحديد،، الذي عندما قرر ان يقاتل الفقر، لم يجعلها معركة ثأرية بل جعلها حربا من اجل فقراء البرازيل، لم يطل"لولا"الخطب بل اطال العمل والجهد وتعمق في محبة الناس. وجعل شعاره اغناء الفقراءلا اذلال البلاد. لقد شهدت بلدان العالم، ولادة صنف جديد من الابطال: سوف يأخذون الرجال الى الحرب على الفقر والامراض والجهل والامية والاستعباد، كل منهم قدم نموذجا مشرفا للبشرية: لي كوان يو في سنغافوره، ومهاتير محمد في ماليزيا، وابطال الصين الذين صنعوا مجد الصين الحديثة وازدهارها ايضا. . يقول ماريو فارغاس يوسا"ان بلدان العالم بدأت تشفى من تخلفها عندما تخلت عن فكرة الزعيم البطل صانع المعجزات""لم يكن لولا يحمل الشعارات الثورية، بل بدا من عائلة معدمة ليخوض النضال من اجل جعل البرازيل ثامن اكبر اقتصاد في العالم ولينقذ ثلاثين مليون جائع من موت محقق.كأنما الدرس الذي تعطيه بعض الشعوب موجه على نحو خاص، الى بلد البرلمان ذي الجلسة الواحدة. أو هكذا، في الأقل، يمكن ان نسمي الازمة السياسية التي يمر بها العراق، فالجميع مدججون بعبارات الرفض، رافعين شعار"وحدي وليذهب الجميع الى الطوفان"مجبولون على كره الحوار، يأنفون من ثقافة الشراكة السياسية.فيعيش الشعب معهم على الهامش، اكثر من الف عراقي خاضوا حرب الحياة مع مياه دجلة لم يجدوا حتى اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة اي مسؤول يقف منتظرا عسى ان يتم انقاذهم لكن الساسة والمسؤولين ذهبوا صوب مايكرفونات الاعلام يبثون يحتجون وينددون فيما عوائل الضحايا لاتزال حتى هذه اللحظة تنتظر من يمد يده اليها لينفذها من العوز والفقر والتشرد، 33 عاملا تقف تشيلي باكملها لانقاذهم فيما تخلى مسؤولونا عن انقاذ ضحايا تلعفر الذين تحولت بيوتهم الى مقابر جماعية، الحكومات الفاعلة تفتح طرق الحياة مع مواطنيها، فيما يشيد ساستنا سدوداً بينهم وبين الناس تكبر يوما بعد يوم.كان هنري كيسينجر يميّز بين السياسي الحقيقي والسياسي النجم. الاول، هو الذي يحب الناس ويعمل من اجلهم، والثاني مصاب بهوس الاضواء والصراخ، لذلك يمضي الاول عمره في العمل بصمت، ويمضي الثاني حياته يصرخ في كل الاماكن.تقوم تجارب الحكومات الناجحة على الصدق والمشاعر الانسانية. فيما تعيش حكومات المايكرفونات على الشك والنميمة والانتهازية واحتقار الانسان.
العمود الثامن :حين تشفى الشعوب

نشر في: 23 أكتوبر, 2010: 05:38 م







