شاكر لعيبيوصلت إلينا لأبي دُلَف الخزرجي رحلتان. قبل ترجمة وتحليل المستشرق الألمانيّ الفريد فون رور ساوير عام 1939م لرحلة أبي دلف الأولى إلى الصين والهند، كان الاعتقاد لدى بعض العلماء ينفي وقوعها. خلاف ذلك ساندَ المتخصّص الروسيّ كراتشوفسكي عملَ فون ساوير بشأن وقوعها الفعليّ، وإنْ ظل الاعتقاد الشائع يذهب إلى أنها قد بُنيت لاحقاً، انطلاقاً من الذاكرة وتضمّنتْ،
جوار الحقائق، الكثير من المعلومات التقريبية المُضبَّبة بل أموراً خيالية. وبالنسبة للرحلة الثانية يعاود المحققان الروسيّان لها: بطرس بولغاكوف وأنس خالدوف، التشكيك بزيارة أبي دلف "لبعض" الأماكن الموصوفة فهو حسب رأيهما: "قلما عرف شيئاً عن ديلم وخوارزم لأنه لم يذكر عنهما معلومات تفصيلية، واكتفى بذكر وصف عام قصير، الأمر المتناقض تماماً مع حالات وصفه للأماكن التي يعرفها جيداً. يطلع هذا الشك من كلماته التي يعبّر بها عن وصف معالم هذه الأمكنة مثل: (يقولون هناك يوجد..). من هنا يمكن الاستنتاج أن أبا دلف كان يستخدم معلومات منقولة عن مصادر ثانويّة من مختلف ناقلي الأخبار، وبناء على رسالته الأولى فإن مثل هذا الأمر ليس بمستغرَبٍ عنه". هذه الحجج ليست بكافية للتشكيك بزيارته لبعض الأماكن. فلو أنه وصل بُخارى، كما يقول هو نفسه، فلماذا نشكّكُ بمروره على خوارزم التي لا تبعد عنها إلا بأربعمائة وخمسين كيلومترا تقريباً؟. أما لجهة تكراره لعبارة "يقولون هناك يوجد..." كما يترجمها محمد منير مرسي، والمقصود بها صيغة المبني للمجهول العربية الشائعة (يُقال) المكررة في النص، فأخشى أن يكون معناها الدقيق ولُوَيْناتها قد غابا عن غير الناطقين بالعربية وأصاباهما باللبس. وعلى ما يبدو فإن سوء الفهم هذا لا يتوقف على فعلٍ مبنيٍّ للمجهول حُمِّل أكثر مما يَحْتمل وفُسّر حرفياً، إنما ينطلق من فكرةٍ شائعةٍ كامنة عن وفرة (المُتخيَّل) في رحلات أبي دلف، أكاد أقول وحده وبشكل استثنائي. أليس من القسوة أن يستنتج المستشرق الروسي غريغوريف أن "القصة لا تقوم على أساسٍ من الواقع بل هي جمع لشتاتِ ما قرأه وسمعه من الآخرين"؟.قَبْلَ المستشرق الفريد فون رور ساوير والروسيّ كراتشوفسكي اللذين أثبتا صحّة الرحلة، قيل الكثير عن الخياليّ في رسالة أبي دلف الأولى خاصةً، والمبالغات في بعض فقراتها، وهو أمر صحيحٌ. لكنه يجب أن يوضع في سياقه التاريخيّ والإبستمولوجيّ الدقيق.لم يستطع السياق الذي اشتغلت فيه الحضارة الإسلامية أن ينجو بشكلٍ عام من الخرافة. أما على الصعيد الأدبيّ، ثم السرديّ في أنواع محدّدة كأدب الرحلة، فقد كان هناك على الدوام خلطٌ بين الواقعيّ والغرائبيّ. يُستجلب الأخير استجلاباً، بناءً على شرطٍ ثقافيّ عام راغبٍ بالتصديق، ومن قبل الأطراف جميعاً، منتجيْ النصوص ومتلقيها، وبطريقة مفرطة أحياناً، مقبولة عرفياً. قال أبو العباس المبرد عن (تكاذيب الأعراب): "تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجتُ مرة على فرس لي فإذا أنا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلتُ إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابتْ. فقال الآخر: لقد رميتُ ظبيًا مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسَر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر، فانحدر عليه حتى أخذه". نحن هنا في مقام الكذب الذي صار لعبة اجتماعية للمخيَّلة، بينما نحن في مقام الغرابة والمُدْهِش في أدب الرحلات، وبينهما يقف حدٌّ واهٍ لكن جوهريّ: الأول خيال محض، والثاني خيال مسنود بالسرد وبما يمكن أن يكون واقعاً بعيداً، شعباً، بلداً، حيواناً، في غير متناوَل المتلقِّين الذين يقْبَلون طواعيةً بغرابته طالما يخاطِب متطلبات المتخيَّل لديهم. ثمة تواطؤ ثقافيٌّ يجدُ له في الجغرافيا وأدب الرحلة مكاناً خصباً.إن "أنطولوجيا الغرائبي في الأدب الجغرافي العربي" التي نقوم بإنجازها ستبرهن أن غواية الغرائبيّ لم يسلم منها غالبية الكتاب التراثيين، بدءاً من نواخذة السفن والتجار المسافرين في القرن التاسع الميلادي ثم كبار البلدانيين في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، مروراً بالعجائب التي يرويها المسعوديّ في بعض كتبه وهو شيخ المدقّقين المُحْترِسين، وليس انتهاءً ببقايا من الغرائبيّ هذا عند البيرونيّ الماديّ العقلانيّ في "تحقيق ما للهند". بعض الغرائبية أدهى مما ورد في رسالتيْ أبي دلف لكنها لم تثر الأسئلة ذاتها التي قيلت بشأن الرجل. من الصعب تفسير ذلك سوى بالزعم أن إيمانه العميق هو نفسه بالغرائب وخواص المعادن الثمينة والخوارق والخيمياء لم يؤخذ بنظر الاعتبار. لم يؤخذ أيضاً على محمل الجدّ نزوعه الشعري وطبيعة سرده الأدبيّ الانطباعيّ عن البلدان التي زارها، وحُسِبَ عالِماً جغرافياً، وطولبتْ كتاباته لذلك بالصرامة المنهجية والرياضية والتقعيد.
تلويحة المدى: الحقيقيّ والخياليّ فـي الرحلات العربية

نشر في: 29 أكتوبر, 2010: 05:24 م







