وديع غزواناتصلت بي ليلة أمس من دبي إحدى قريباتي وهي تجهش بالبكاء وتقول: من شدة حزني لم أفارق القرآن الكريم منذ ان شاهدت من على الفضائيات مناظر الجريمة المروعة لمصلي كنيسة سيدة النجاة في بغداد، واستعادت ذاكرتها الأيام الخوالي من عام 2001 عندما طلبت مني أن أصطحبها الى جامع براثا مع داني وهو ابن جارها، الذي ربته وعاش معها أكثر مما عاش مع أهله،
فداني ابن الأربع سنوات لا يتكلم مثل بقية أقرانه وهي تخاف عليه، وهنالك اعتقاد بأن من يشرب من ماء بئر الإمام علي (ع) يتمكن بعدها من النطق.. المهم ان لسانه قد نطق بعد فترة وأخذ يواظب على الدوام في المدرسة ، لكنه ومثل العديد من أبناء شعبنا اضطر الى الهجرة الى أميركا.وتستمر بالحديث فتقول: ان داني اتصل بها منتصف الليل ليسألها (ماما سعاد ألم يكتف المجرمون بما فعلوه بنا من قتل وتهجير وتشريد؟ ومتى يتوقف نزيف دمنا في الجامع والكنيسة والحسينية، أو في أي مكان من ارض العراق الطاهرة؟ وهل من أمل أن يلتئم شملنا مرة أخرى) وتضيف: لم يمنع بُعد المسافة من ان أحس بدموع داني التي أحرقتني، فلم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء وقلت سأعود فوراً الى داري، فلا املك غير هذا الرد على القتلة المجرمين، وسأزور كل عائلة مسيحية اعرفها لعلي أواسي بعض الشيء إخوتنا في مصابهم الذي حدث.في سوريا وفي إحدى السفرات قابلت والد داني وشقيقته في فندق كانت تعيش فيه (ماما سعاد) كما يحلو لها أن يسموها، وكانت قد جاءت الى دمشق خصيصاً لمشاهدة أخت داني التي لم تفارقها لحين مغادرتها عائدة الى دبي، وهنا سألتها سر هذا التعلق بداني وشقيقته، برغم ما رزقها الله من أولاد، فأجابت بلهجتها البغدادية، ألا تذكر أنهم تربوا بين أحضاننا، لذلك فهم بمعزّة لؤي وعدي وعلي، لا فرق بين احد منهم، وكنت بصراحة ألومها لإرسالها الهدايا لهم خاصة إنهم يعيشون في أميركا فتجيب: إنها هدية الأم لا بنائها.مثل هذه القصة وغيرها ليست غريبة علينا نحن العراقيين، فلدى كل واحد منا آلاف الذكريات مع المسيحي والصابئي والايزيدي، فكلنا سواء تحملنا سنوات القهر والحرمان ووقف أحدنا مع الآخر في السراء والضراء وفي أوقات الضيق والشدة ولم تفرقنا عاديات الزمن.. في كل تلك السنين الطويلة امتزجت دموعنا ودماؤنا حتى جرى ما جرى و توقعنا أننا قاب قوسين أو أدنى من وطن نكون فيه جسداً واحداً كما كنا دوماً وعلى مر التاريخ لا يشعر احدنا بظلم الآخر عليه، حلم رسمناه وعشناه دوماًً دون أن نسمح لغوايات السياسة ان تفسده.أخيراً لن نعلق كثيراً أو نكرر معلومة باتت معروفة لدى القاصي والداني عن الأغراض الخبيثة من عمليات الإرهاب ضد كل العراقيين من مسيحيين وغيرهم، لكن روح ما ما سعاد ودموع داني أكبر وأقوى من الإرهاب.. لا نحسب ان ما نقوله مثالي، فمن يقرأ التاريخ القديم والحديث للعراق يجد نماذج من هذه الروحية روحية الأخوة والمحبة والتسامح، فهي الباقية وكل ما عداها هراء.
كردستانيات: دمــوع دانـــي

نشر في: 2 نوفمبر, 2010: 06:58 م







