حازم مبيضينأتابع من بعيد الأنباء القادمة من بغداد بلون الدم والغبار, أشعر بالمزيد من الأسى يتغلغل في مسامات الروح قبل الجسد, وأحس بالدمع يتجمع في المآقي ويرفض الانهمار فيحرق خلايا دماغي, أحاول غسل نفسي من آثار رؤية الدم يصبغ شوارع مدينة السلام, فاصطدم بأن علي الاغتسال في دجلة والفرات على بعد المسافة واستحالة الوصول,
أغمر رأسي بالوسائد فأكتشف أن تحتها متفجرات أعدها الإرهابيون, أصحو على أصوات الغربان التي تنعق في فضاء بيتي, وحين أغادر إلى الشوارع ترافقني بومة في كل خطواتي, وحين أعود مهدوداً أكتشف أن المزيد من دماء الأبرياء صبغت جدران محلة في البصرة أو الموصل, وأن الأشلاء البريئة التصقت بإسفلت الشارع في الحلة وكربلاء, والأكثر مأساويةً وحزناً أن بيوت الله أصبحت هدفاً لأعداء السلام والرفاهية والديمقراطية وحقوق الإنسان, مثلما أصبحت هدفاً لأعداء الله, المسبحين بفضله علناً, والمبغضين الكارهين لأنبيائه وتابعيهم في السر, والعاملين على تفجير الحقد والضغينة بين أتباع دياناته السماوية.يتلبسني الغضب الأسود كلما سمعت أن متمسحاً مدعياً ارتكب باسم الدين جريمة ضده, وأكثر حين أجد من يبرر فعلته باسم الدين, وأكثر حين يستهدف مدع للتدين جريمة ضد أبناء دينه المعتنقين لمذهب غير مذهبه, وأكثر حين يستهدف مواطنيه من معتنقي ديانة سماوية أخرى, وأكثر حين يتم استهداف المصلين وهم يتلون أدعيتهم لخالقهم في بيته, وأكثر حين يكون الهدف نشر الضغينة والفرقة والبغض بين أبناء الشعب الواحد, وأكثر حين يكون الفاعل غريباً عن أرض الرافدين تسلل إليها بهدف تحقيق أهدافه المريضة والغريبة عن أخلاق العراقيين, وأكثر حين يسعى البعض لتحميل الضحية مسؤولية مقتله, وأكثر حين يحاول البعض تحميل رجال الأمن المسؤولية لمحاولتهم إنقاذ الرهائن ويطالبونهم بالتفاهم مع القتلة, وكأن الحوار معهم قد يفضي إلى نتيجة, والمؤلم أن من بين هؤلاء ساسة عراقيين كبار, يطرحون أنفسهم كقياديين وفكروا للحظة أن بإمكانهم اختلاس موقع رئاسة الجمهورية لمجرد انتسابهم إلى طائفة بعينها.بعد الكنيسة جاء دور الشوارع والساحات, وانفجر برميل الحقد ليقتل ويجرح ما يقارب المئتي إنسان كل ذنبهم أنهم كانوا في الأماكن المستهدفة عشوائياً من المجرمين والقتلة, لم يوفر الإرهاب الكرخ ولا الرصافة, وكانت سياراته المفخخة مصائد للمواطنين بغض النظر عن ديانتهم أو قوميتهم,واستهدفت معظم التفجيرات المقاهي والمطاعم الشعبية, وعدداً من الأسواق فيما ضربت قذائف الهاون منازل المدنيين في الأحياء الشعبية. وكأن الرسالة تقول إنه لا مكان آمن في العراق, فالموت يطوف على الفنادق والمقاهي والشوارع والمكاتب, وإذا لم يكن المواطن في واحد منها, فإن الموت يذهب إليه في بيته, ليكون الموت والإرهاب موزعاً بالتساوي على أبناء الرافدين.أمس كنت أحمل صليبي وأشارك في تشييع ضحايا الهجوم الإرهابي ضد المؤمنين وهم يصلون في كنيسة سيدة النجاة في بغداد, ومعي كان يمشي السيد المسيح والأنبياء كافة, وكنت أرى الدمع ينهمر من العيون المقدسة, والغضب الإلهي يتفجر من بين أصابعهم, وكنت أتابع لعناتهم على المجرمين الذين قتلوا بدم بارد أكثر من خمسين مؤمناً برب العزة وهم يلوذون ببيته, كان الصليب يضغط على روحي البائسة, وكنت أجر خطوات أقدامي المثقلة بوهن الإحساس بالتخلي عن واجب الوقوف مع أبناء الرافدين وأنا أتطلع إلى الكتبة الذين انتدبوا أنفسهم للمطالبة بعدم إعدام طارق عزيز بسبب ديانته, ولم ينبسوا ببنت شفة وهم يتابعون أنباء مصرع أكثر من خمسين بريئاً ينتمون للديانة نفسها, وكل جريمتهم أنهم ذهبوا للصلاة في كنيستهم تقرباً لخالقهم وطلباً لمغفرته.
نقطة ضوء: أحمل صليبي

نشر في: 3 نوفمبر, 2010: 07:06 م







